رد على البشير مصطفى السيد القيادي الانفصالي-الانفصامي:عبر دهاليز التاريخ: الصحراء المغربية في مواجهة الوهم الانفصالي
الحسين بوالزيت
صحافي وباحث في التاريخ
من سراديب سجن الرشيد إلى متاهات الخطاب الانفصالي، يصرخ البشير مصطفى السيد بألمٍ يعكس أزمةً عميقةً داخل تنظيمه وأيديولوجيته. لكن صرخته هذه، رغم ما تحمله من حيرة وجودية، تفتح نافذةً على سؤالٍ جوهري يتجاوز التكتيك السياسي المؤقت: على أي أرضٍ تاريخيةٍ وإنسانيةٍ يقف هذا الخطاب؟
إن مقاربة الدولة المغربية للقضية الصحراوية لا تنبني على ردود الفعل العاطفية أو التسويق السياسي الظرفي، بل على ثلاث دعامات راسخة: الشرعية التاريخية، الحقوق الأنثروبولوجية، والسيادة القانونية المستمرة. وهذا ما يجعل خطاب الانفصال ليس مجرد مغامرة سياسية فاشلة، بل قطيعةً مع التاريخ والإنسان معًا.
الدعامة الأولى: التاريخ.. الأرض تتحدث
منذ آلاف السنين، والصحراء المغربية ليست فراغًا جغرافيًا، بل فضاءً حضاريًا أمازيغيًا حيًا. النقوش الصخرية في أكماديز، مدافن الأجداد في الساقية الحمراء، مسارات القوافل بين سجلماسة وتنبكتو، كلها تشهد على استمرارية بشرية وثقافية واحدة تربط الصحراء بسوس ودرعة والأطلس ومراكش وفاس.
لم تكن هذه الربوع أبدًا “أرضًا بلا شعب” أو أرضًا “طارئة” على المغرب، بل كانت دائمًا جزءًا من النسق السياسي والروحي للدولة المغربية. فالقبائل الصحراوية – بما فيها قبائل الركيبات، التي يُحاول البعض تزييف هويتها – كانت تؤدي البيعة للسلاطين، وتشارك في الحركات السلطانية، وتدخل في منظومة “المخزن” بمرونته المعروفة. هذا ما يؤكده مؤرخون كبار مثل عبد الله العروي ومحمد القبلي، الذين يرون أن الصحراء كانت دائمًا الامتداد الطبيعي للدولة المغربية، وليس ظهيرًا منفصلًا عنها.
الدعامة الثانية: الإنسان والهوية.. العلم يحسم الجدل
يحاول الخطاب الانفصالي تأسيس هوية “عربية خالصة” لأهل الصحراء، لكن الدراسات الأنثروبولوجية والجينية الحديثة تحسم هذا الوهم. فتحاليل الـ (ADN) التي أُجريت على عدد من القبائل الصحراوية، تشير إلى انتمائها الواضح إلى الجذر الأمازيغي الشمال-إفريقي، مع تداخلات تاريخية طبيعية نتيجة التواصل التجاري والروحي مع جنوب الصحراء.
حتى المستكشفون والجغرافيون الأوروبيون – الإسبان والبرتغاليون – الذين زاروا المنطقة منذ القرن الخامس عشر، كانوا يصفون سكان الصحراء بأنهم أمازيغ تربطهم علاقات التجارة والبيعة بالسلطنة المغربية. فكيف يُبنى مشروع “جمهورية عربية” على أرض ناطقة بالأمازيغية، تحمل عاداتها وأنماط عيشها وبُناها القبلية نفس الروح الأمازيغية المغربية؟
الدعامة الثالثة: السيادة والاستمرارية القانونية
من منظور القانون الدولي وتاريخ الدولة، لم تنقطع الصحراء عن المغرب إلا بقوة الاستعمار. فآخر باشوات المغرب في هذه التخوم، مثل باشا الساقية الحمراء، كان ممثلًا شرعيًا للسلطة المركزية في فاس ومراكش. حتى الاستعمار الإسباني نفسه، حين دخل المنطقة، كان يُزيح ممثلي المخزن المغاربة بالقوة، لأنهم كانوا موجودين فعلًا، وليس لأن الأرض كانت “بلا سيادة”.
كما أن الحملات المغربية نحو الجنوب، مثل حملات السلطان أحمد المنصور الذهبي نحو السودان الغربي، لم تكن مغامرات عسكرية عابرة، بل تعبيرًا عن عمق السيادة المغربية وسعي الدولة لفرض نظامها السياسي والأمني على امتداداتها الطبيعية.
لماذا يَضيع البشير ومَن على شاكلته؟
لأنهم يحاولون بناء وهم سياسي على أرضٍ ترفضهم. فالصحراء، بشهادتها التاريخية والأنثروبولوجية، تُعلن أنها أرض مغربية أمازيغية، لا تقبل القطيعة مع هويتها ولا مع دولة استمرت فيها عبر القرون.
إن القلق الذي يعبر عنه البشير مصطفى السيد هو قلق مزدوج: قلق تنظيمٍ يفقد شرعيته التمثيلية، وقلق أيديولوجيةٍ تغترب عن واقع الأرض والإنسان. فخطاب “الجمهورية العربية” في الصحراء هو كمن يحاول زراعة النخيل في الثلج؛ مفارقة تاريخية وجغرافية لا يمكن أن تصمد أمام الحقائق.
في الختام: نحو مصالحة التاريخ والإنسان
المقاربة المغربية لا تراهن على إنهاك الخصم، بل على استعادة الوصل مع التاريخ والإنسان. فالحل الواقعي والعادل هو ذلك الذي يحفظ كرامة الصحراويين، ويصون هويتهم الأمازيغية المغربية، ويعيد ربط ما قطعه الاستعمار والحرب الباردة.
الصحراء مغربية، ليس فقط بقرارات دولية، بل لأن شواهد التاريخ وعلم الإنسان ووقائع الجغرافيا تؤكد ذلك. أما من يحاولون سباحة ضد هذا التيار، فإنهم “كمن يسبح في سراب”. أو أراش باللغة الامازيغية الفرع الصنهاجي الاصيل.



