من” غزة” إلى “جزيرة إبستين”: السقوط المدوي لصنم الحداثة الغربية


لم تكن الوثائق المليونية التي أفرجت عنها وزارة العدل الأمريكية مؤخرا بشأن جزيرة “جيفري إبستين” مجرد تفاصيل لجريمة جنائية عابرة، بل كانت بمثابة زلزال ضرب أركان المنظومة الغربية في مقتل. إن تورط نخب سياسية، ورجال الصف الأول من عالم المال والأعمال وعلماء، وقادة، وأمراء من قصور ملكية عريقة في مستنقع استغلال الأطفال جنسيا، يكشف أننا لسنا أمام انحراف فردي، بل أمام انهيار كامل وسقوط أخلاقي يطال المؤسسات التي طالما قدمت نفسها للعالم كحارس أمين على قيم الحداثة وحقوق الإنسان.

إن هذا السقوط المروع يعيدنا إلى جذور “الحداثة المزيفة” وفلسفة “الأنوار” التي بشرت بها أوروبا، وروج لها “هيغل” كذروة للتطور البشري. لقد قامت هذه المنظومة على “اللائكية الإقصائية” التي عزلت الدين عن الحياة، وحولت الإنسان إلى كائن مادي مقطوع الصلة بالسماء. هذا “الفراغ الروحي” القاتل ولد توحشا لم تجمله ربطات العنق ولا القصور الفاخرة؛ فاندفع الغرب لتعويض هذا الفراغ برعاية “القيم البوهيمية” الشاذة، من جندر، ومثلية، وصناعة ألعاب جنسية للأطفال، وتسليع لكل ما هو فطري.

لقد أعلن الغرب إفلاسه الأخلاقي منذ زمن، وما تقرير لجنة التحقيق الفرنسية الذي كشف عن اعتداءات طالت 216 ألف طفل ومراهق داخل الكنيسة الكاثوليكية إلا غيض من فيض. إنها “قيم القاع” التي يحاول الغرب تصديرها اليوم إلى عالمنا العربي والإسلامي عبر الضغوط السياسية والاتفاقيات الدولية، مستهدفا هدم الحصن الأخير للإنسان: “الأسرة”.

هنا تبرز الحقيقة المرة؛ فكل تلك الشعارات البراقة عن “حرية المرأة” و”المساواة” و”حقوق الطفل” لم تكن يوما تهدف لصون كرامة الإنسان كقيمة متعالية، بل كانت أدوات وظيفية في يد “الليبرالية المتوحشة”. هذه الليبرالية لا ترى في الفرد كائنا مكرما، بل “وحدة استهلاكية” أو “سلعة” في سوق المتعة والمادة.

إن “تحرير المرأة” في الفكر الليبرالي المتوحش لم يكن إلا وسيلة لانتزاعها من كينونتها الأسرية وتحويلها إلى أداة ترويجية أو قطعة بلا روح في آلة الإنتاج الرأسمالي. أما “حقوق الطفل” التي يتغنون بها، فقد رأينا تجلياتها في “جزيرة إبستين”، حيث يباع ويشترى الأطفال في سوق النخاسة العصرية لخدمة نزوات الكبار النافذين. إنها منظومة لا تحفظ آدمية الإنسان، بل تسحقه لتقتات على رغباته الغريزية.

لقد جاء “طوفان الأقصى” ليكون الكاشف الأكبر لهذا الزيف. اليوم، نفهم لماذا صمتت المؤسسات الغربية عن جرائم الاحتلال المروعة في غزة؛ فمن استباح دماء وأعراض الأطفال في جزيرة “إبستين” لصالح نخب سياسية، لن يجد غضاضة في مباركة تمزيق أجساد الأطفال في غزة بالصواريخ لصالح مصالح جيوسياسية.

إن من أعظم حسنات هذا الطوفان أنه أسقط “ورقة التوت” الأخيرة عن وجه الغرب. فكيف يصدق العالم “دموع التماسيح” الغربية على حقوق الإنسان، وهم الذين يدعمون إبادة شعب كامل؟ وكيف نثق بمنظومة تشرّع القوانين لحماية “الجنس الثالث” وتصمت صمت القبور أمام آلاف القتلى من الأطفال والنساء في فلسطين؟ إنها الحداثة التي تحمي “حق الشذوذ” وتمنع “حق الحياة” لمن لا ينتمي لنادي النخبة الغربي.

من المثير للاشمئزاز أننا لم نر ناشطة نسوية راديكالية واحدة، ولا منظمة حقوقية كبرى، تخرج لتنتقد ما جرى في “جزيرة إبستين” الملعونة بذات الحدة التي تهاجم بها المجتمعات العربية والقيم الإسلامية. لقد خرست الألسنة التي كانت تطالب بـ “تمكين المرأة” حين تعلق الأمر بفتيات قاصرات استعبدن جنسيا من قبل قيادات غربية.

هذا الصمت يؤكد أن تلك الحركات النسوية والحقوقية ليست إلا “أذرعا ناعمة” للاستعمار الجديد؛ تستخدم للضغط على الدول الإسلامية وتفكيك نسيجها المجتمعي، بينما تصاب بالعمى والصمم أمام فضائح الغرب. لو كان المتهم مواطنا عربيا، لرأينا “الرجل الأبيض” يتقمص دور المنقذ الأخلاقي ليقيم الدنيا ولا يقعدها، أما حين يكون الجاني من “نادي الكبار”، تصبح الفضيحة مجرد “خطأ إجرائي” يغطى عليه بآلاف المستندات السرية.

إن السقوط المروع لدعاة الحداثة واللائكية الإقصائية يؤكد أن العالم اليوم يعيش أزمة “بوصلة أخلاقية”. لقد أثبتت “جزيرة إبستين” و”دماء غزة” أن النموذج الغربي قد وصل إلى طريق مسدود. إنه نموذج يفتقر للروح، ويقدس المادة، ويعامل البشر كأرقام في كشوفات الحساب.

لقد حان الوقت لمجتمعاتنا العربية والإسلامية أن تتوقف عن الانبهار بـ “سراب” القيم الغربية. إن ما نحتاجه هو العودة إلى الفطرة الإنسانية السوية والقيم الروحية التي تحفظ للإنسان كرامته، بعيدا عن توحش الليبرالية التي لا ترى فينا إلا مستهلكين. لقد سقط القناع، وظهرت “قيم الغابة” المتلحفة برداء الحداثة، وما بقي لنا إلا التمسك بهويتنا العربية والإسلامية كحائط صد أخير ضد هذا الانهيار العالمي الشامل.

حسن قديم

مقالات ذات صلة