التواصل المتكافئ في قلب اليوتوبيا الاجتماعية: مقاربات أكاديمية في ندوة دولية بكلية الآداب بنمسيك
تقرير: حنان النبلي
نظّم مختبر السرديات والخطابات الثقافية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك (جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء)، وبتنسيق علمي مع جامعة بواتيي الفرنسية والمركز الوطني للبحث العلمي بفرنسا، ندوة دولية بعنوان: “التواصل المتكافئ في قلب اليوتوبيا الاجتماعية”، وذلك يومي الأربعاء والخميس 26 و27 نونبر 2025، بمشاركة 40 باحثاً من 13 جامعة من المغرب وفرنسا ونيجيريا والجزائر.
تأتي هذه الندوة في سياق البحث في النظريات اليوتوبية في التواصل، عبر دراسة السلوك الإنساني وأشكال التفاعل وبُناها. إن التواصل الفعّال يسهم في تحقيق المساواة وبناء الثقة المتبادلة وتوسيع المشاركة في الحياة الجماعية، بما يرسّخ مجتمعاً منسجماً. ولا يقتصر التواصل اليوتوبي على نقل المعلومات، بل يقوم على الالتزام والصدق والشعور بالأمان الناتج عن المشاركة الفاعلة في المجتمعات.
يكتسي هذا الموضوع راهنيته في ظل ما يواجهه العالم من انقسام وتفكّك اجتماعي وتراجع الثقة بالمؤسسات. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة التفكير في التواصل المتكافئ وسبل تحقيقه، بما يثير سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن بناء تواصل يتجاوز العلاقات المؤسسية، ويمنع الإقصاء، ويُعزّز الإدماج والإبداع المشترك واحترام التعدّد؟ يتفرع عن هذا السؤال، أسئلة كثيرة كانت المحرّك الأساس للمداخلات العلمية خلال الندوة من زوايا متعددة.
افتُتِحَت أشغال الندوة بكلمة للأستاذة عائشة المعطي من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك، التي أشرفت على تسيير الجلسة الافتتاحية، مؤكدة أنّ هذه الندوة الدولية تهدف إلى تفكيك ومناقشة موضوع يلامس جوهر الوجود الإنساني والمجتمعي، وهو التواصل المتكافئ في قلب اليوتوبيات الاجتماعية. وفي عالم يضج بالصراعات، نعود لنطرح السؤال: كيف يمكن للتواصل، حين يكون ندّاً للندّ، أن يبني يوتوبيا اجتماعية ممكنة؟
وأضافت المعطي أن “ما يبعث على الفخر حقاً هو أن صدى هذا السؤال قد تجاوز الحدود، ليمنح لقاءَنا صبغة الندوة الدولية بامتياز؛ بفضل مشاركة مفكرين وباحثين من جامعات مغربية وأخرى دولية من نيجيريا والجزائر وفرنسا. وهي مشاركة تُجسّد عملياً مفهوم التواصل المتكافئ الذي ننشده، وتثري النقاش بتعدد الخلفيات والرؤى، وبالإيمان المشترك بجدوى البحث العلمي العابر للحدود”.
من جانبه، أشاد الأستاذ عمر لمغيبشي، نائب عميدة كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك والمكلف بالشؤون البيداغوجية، بالدور المحوري الذي يضطلع به مختبر السرديات والخطابات الثقافية داخل الحقلين المعرفي والثقافي. وأوضح أن اختيار موضوع الندوة يتسم بالجِدّة والراهنية، معتبراً إياها فرصة ثمينة لتقاسم المعرفة في زمن يشتد فيه الغبش وتتفاقم الإكراهات، الأمر الذي يجعل من الجامعة فاعلاً أساسياً في تبديد الالتباس واستكشاف إمكانات التواصل العادل بوصفه ضرورة معرفية ومجتمعية.
بدوره أكد الأستاذ شعيب حليفي مدير مختبر السرديات والخطابات الثقافية، أن هذه الندوة تندرج في إطار المشاريع العلمية التي يواصل المختبر الانخراط فيها، وضمن انشغالاته البحثية التي تربط تحليل الخطاب ودراسة السرديات في ارتباط بأسئلة الإنسان والواقع. وأوضح أن البحث في الإنسانيات كان دائماً مشدودا إلى فهم الإنسان وتفكيك العلاقات التي تُشكّل المجتمع، سواء من منظور فلسفي أو سوسيولوجي أو أنثربولوجي. وأضاف أن المتخيل، بما يحمله من رؤى وأحلام وصور، يكشف في كثير من الأحيان عن مسارات جديدة لاختبار إمكانات بناء عالم أكثر عدالة وإنصافاً.
وانطلاقاً من هذا المنظور، شدّد مدير مختبر السرديات على أن التواصل يشكّل محور اللقاء، بكل تجلياته اللفظية والرمزية والثقافية، باعتباره ركيزة أساسية في تخيّل مجتمع قائم على المساواة والثقة المتبادلة والسعادة المشتركة.
وأضاف حليفي، أن “الإنسان عبر القرون لم يتوقف عن طرح الأسئلة التي تطرحونها اليوم بطرق جديدة، “كيف يمكن للتواصل أن يساهم في بناء مجتمع أكثر انسجاماً؟ وهو سؤال يزداد راهنية في عالم يمزقه الاستقطاب وتوتر العلاقات مع المؤسسات وتتسارع فيه التحولات الرقمية. وتقودنا هذه الإشكالات إلى أسئلة مقلقة وضرورية في آن وهي التي تطرحها هذه الندوة على امتداد يومين، كيف نضمن حرية التعبير في مجتمع تتفاوت فيه الأصوات؟ ما دور المؤسسات الثقافية والتعليمية في خلق فضاء للتواصل عادل؟ كيف نبتكر آلية تفاوض جماعية تحترم التنوع الثقافي واللغوي؟
وأوضح أن برنامج الندوة، كما يتجلى في جلساتها المتعددة، يجمع نخبة من الباحثين من جامعات مغربية ودولية، ويتناول القضايا من زوايا متعدّدة تشمل سلطة اللغة والخطاب، والتقاطعات بين التخييل واليوتوبيا، والتواصل الدبلوماسي والسياسي، إلى جانب دور التكنولوجيا والتعليم، وإشكالات الهوية والثقافات والممارسات التواصلية العابرة للسياقات.
وأنهى حليفي حديثه بالتأكيد على أن الندوة لا تهدف فقط إلى تحليل المفاهيم، بل تسعى كذلك إلى بناء حوار علمي داخل الجامعة بين الطلبة والباحثين، بما يربط المعرفة النظرية بالرهانات الاجتماعية الفعلية ويسهم في التنمية والتقدم. وأعرب عن أمله في أن تشكل هذه اللحظة الفكرية فضاءً للإنصات المتبادل وإعادة تخيل مستقبل تتعايش فيه الأصوات وتُعاد فيه صياغة الرابط الاجتماعي على أساس المعرفة والكرامة والتكافؤ.
من جانبها شددت الأستاذة ابتسام الحناشي، أن هذه الندوة الدولية تسلط الضوء على التواصل المتكافئ في قلب اليوتوبيات الاجتماعية. “ففي زمنٍ يتسم بانعدام الثقة وانتشار خطابات متناقضة، يغدو من الملحّ أن نعيد التفكير في الآليات التي تتحاور بها مجتمعاتُنا وتتناقش وتتصوّر مستقبلها. إن اجتماعَنا هنا بنخبة من المتخصّصين في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة والأدب، إلى جانب الباحثين الشباب، يعكس رغبة مشتركة في مساءلة الكلمة باعتبارها فضاءً للاعتراف والتحرر والبناء المشترك”.
وأبرزت منسقة الندوة، أن اليوتوبيات الاجتماعية، ظلّت دائماً بمثابة مختبرات فكرية تتيح تخيّل طرائق أخرى للعيش معاً. وفي قلب هذه المشاريع تكمن مسألة التواصل، لا باعتباره نقلاً بسيطاً للمعلومات، بل فعلاً علائقياً وأخلاقياً وسياسياً. وأكدت أن التواصل، في جوهره، فعل علائقي وأخلاقي وسياسي لا مجرد نقل للمعلومات. ومن ثم، فإن التفكير في تواصل قائم على المساواة يستدعي مساءلة المؤسسات والممارسات والتقنيات والعادات الثقافية، وإعادة تصور الكلمة كفضاء يتيح لكل فرد أن يُسمع ويُعترف به ويُمنح الشرعية.
وأضافت أن الندوة تدعو إلى الانتقال من تشخيص الواقع إلى استكشاف الممكنات: كيف نبني كلمة مشتركة فعلاً؟ كيف نفكك العوائق البنيوية والثقافية والرمزية التي تعيق التواصل العادل؟ وما الذي يمكن أن يقدّمه الأدب والمخيّلة والعلوم الاجتماعية لتعزيز تواصل أكثر شمولًا وعدلًا؟
ختمت كلمتها بالتأكيد على أهمية أن يشكل اللقاء فضاءً للتبادل والإصغاء والتفكير الجماعي، بما يغني المعرفة الأكاديمية ويطوّر الممارسات الاجتماعية، خدمةً لمجتمع يستعيد فيه التواصل دوره كأداة للترابط والحرية والمساواة.
محاضرة افتتاحية تستجلي تحولات العصر
عرفت الجلسة العامة، التي أدارها الأستاذ موليم العروسي، إلقاء المحاضرة الافتتاحية من طرف الأستاذ عبد الرزاق الألبّاني (جامعة بواتييه – فرنسا)، بعنوان: “من الكهف إلى العالم المتصل”
وقد قدّمت هذه المحاضرة قراءة تاريخية لمسارات التواصل، من أولى التمثلات الرمزية إلى البيئات الرقمية الراهنة، داعيةً إلى إعادة التفكير في العلاقات بين اللغة والصورة والسلطة داخل المجتمعات فائقة الوساطة.
جلسات علمية غنية ومتعددة التخصصات
اليوم الأول: الجلسات الحضورية
افتُتِح اليوم الأول بالجلسة المعنونة بـ«التواصل، السلطة المؤسساتية والأزمات الاجتماعية»، التي أدارتها الأستاذة ابتسام الحنّاشي.
وقد أتاحت مداخلات كلٍّ من إبراهيم الحرفي، ساهر يونس، لحسن تيفروت، سعيد أوشاري ومحمد حوزة دراسة الروابط العميقة بين اللغة والسلطة واللامساواة. وأبرزت المناقشات آليات الهيمنة والمقاومة التي تخترق الخطابات السياسية والإعلامية والمؤسساتية، إلى جانب دور اللغات التقنية المهنية ومجموعات «الألتراس» في إنتاج ديناميات خطابية بديلة.
وتواصل التفكير من خلال الجلسة الثانية بعنوان «اللغة، التخييل وبناء اليوتوبيا»، التي أدارتها الأستاذة ريم زويتن.
وقد أبرزت عروض هاجر مزيود، هند عطافي، محمد لكدح وبثينة ناعم قوة الخيال والتخييل والابتكار البيداغوجي في بناء آفاق جماعية بديلة.
أما الجلسة الثالثة، «الخطاب واليوتوبيا والبناء الاجتماعي-السياسي في العالم العربي»، التي أدارها الأستاذ قاسم مرغاطة، فقد جمعت مداخلات محمد أغليمو، أسماء خبطة، حسناء لوشيني، مريم الكندّاوي وهاجر كريم.
وقد كشفت التحليلات المعروضة عن تعقّد الخطابات السياسية والدبلوماسية والتعليمية في العالم العربي، مبرزة التوتر القائم بين الإرث التاريخي والشرعية السياسية ومتطلبات التواصل الحديثة.
أما الجلسة الرابعة «التثاقف، التربية والتكنولوجيات»، التي أدارها الأستاذ إبراهيم الحرفي، فقد استقبلت عروض حياة بويغرومني، ويسرا قديري.
وأظهرت الأعمال كيف تساهم التكنولوجيات الرقمية، وتكوين المواطن، والممارسات الفنية في تجديد المقاربات البيداغوجية وديناميات الإدماج.
واختُتم اليوم بالجلسة «الكفاءات العرضانية، وسائل التواصل الاجتماعي والتنمية»، التي أدارتها الأستاذة خديجة موزون.
وقد أتاحت مداخلات أسماء صالح، هناء مزيود وأديل جاكيب تحليل دور شبكات التواصل في إعادة إنتاج اللامساواة، إلى جانب أهمية الكفاءات العرضانية والتواصلية في التعليم العالي المغربي.
واختُتم هذا اليوم الأول بنقاش شارك فيه عدد من المتدخلين والحاضرين، وتميّز بتبادل علمي معمّق حول رهانات التواصل المتكافئ وآفاق تطويره في السياقات المؤسساتية والتعليمية. وقد شُرّف هذا النقاش بحضور الأستاذ عبد الهادي الصمدي، نائب العميد المكلف بالبحث العلمي، الذي أكد في كلمته الختامية أهمية تثمين نتائج هذا اليوم لتعزيز مشاريع البحث المشتركة وترسيخ جسور التعاون بين المختبرات والجامعات.
اليوم الثاني: الجلسات عن بُعد
انطلقت اليوم الثاني من الندوة، المنعقد عبر تقنية التناظر المرئي، بالجلسة «اللغة، الهوية والتحولات الاجتماعية»، التي أدارها الأستاذ إبراهيم الحرفي.
وقد قدّمت مداخلات محمد البازي، العربي لعمامري، جلال فرحي، شيماء الغريب، مروة بنجلون، زكريا واعلو، فتيحة هادر وسناء بلمختار تحليلات معمّقة للديناميات المعاصرة للغة في علاقتها بالهوية الفردية والجماعية. وأبرز المتدخلون الآليات التي تؤثر بها المعايير الثقافية في بناء المعنى، والاستراتيجيات الخطابية الموظفة في التفاعلات الاجتماعية، والتحولات المترتبة عن الاستعمالات الرقمية. كما شدّد النقاش على دور اللغة كفضاء للتفاوض الهوياتي في مجتمعات موسومة بالتعدد والحركية والتحوّل السريع للمرجعيات الرمزية.
تلتها الجلسة الثانية «التواصل، الإدماج والآفاق العابرة للثقافات»، التي أدارتها الأستاذة صفية تسولي، وقد جمعت مساهمات من المغرب والجزائر.
وتناولت عروض حفصة إسماعيلي، سهام زروق وفّاء مطافي رهانات التربية على المواطنة في بيئات متعدّدة اللغات، ودور المسرح كأداة بيداغوجية للوساطة الثقافية، إضافة إلى الصعوبات التي تواجه المتعلمين داخل أطر تعليمية تتشكل من تنوع التمثلات والممارسات الاجتماعية. وأبرزت التدخلات الحاجة إلى مقاربات دامجة قادرة على تثمين الاختلافات الثقافية، مع تعزيز الكفاءات التواصلية الضرورية للانسجام المدرسي والاجتماعي.
أما الجلسة الأخيرة، «الفضاء العام، الإعلام الرقمي وتحدّي الكلمة النقدية»، التي أدارتها الأستاذة ابتسام الحنّاشي، فقد جمعت مداخلات صبري الشرقاوي، عبد الكبير دياني، سكينة بودري، سلمى بلعرش، أمينة مودّن، هاجر إد بوخليق وسلمى بديّوي، مريم أحمدان.
وقد حللت الأعمال التحولات العميقة التي يشهدها الفضاء العام في العصر الرقمي، المطبوع بسرعة تداول الخطابات، وتضخيم الخلافات، وتراجع المرجعيات التقليدية للسلطة. ودرس المشاركون الكيفية التي تعيد بها شبكات التواصل تشكيل ممارسات النقاش، عبر فتح فضاءات جديدة للتعبير، وفي الوقت ذاته مفاقمة التوترات والانقسامات الاجتماعية. كما بيّنت المداخلات أن الخيال والإنتاجات الإعلامية المعاصرة، بقدرتها على صياغة سيناريوهات نقدية، تشكّل أدوات مميّزة لاستكشاف حدود التواصل المتكافئ وإعادة التفكير في آليات المشاركة المواطنية داخل بيئة رقمية مُجزّأة.
وقد اختُتِم اليوم الثاني من الندوة، المنعقد عبر التناظر المرئي، بتأمل جماعي أبرز التحولات الراهنة للغة، ورهانات الإدماج العابر للثقافات، وأثر البيئات الرقمية في الفضاء العام.
وشددت المناقشات على ضرورة تطوير ممارسات تواصلية قادرة على مواكبة هذه التحولات، عبر تعزيز الإنصاف، والفهم المتبادل، والمشاركة المواطنة.
وهكذا واصل اليوم الثاني الأسئلة التي طُرحت في اليوم السابق، مؤكّدًا أهمية تواصل قائم على الانفتاح والتعدد والمسؤولية الاجتماعية.
الخاتمة
لقد أبرزت الندوة الدولية «التواصل المتكافئ في صميم اليوتوبيا الاجتماعية» حيوية النقاش العلمي حول رهانات العدالة الرمزية، والمساواة في التعبير، وتقاسم الكلمة. وقد أتاح اللقاء، الذي جمع أربعين باحثًا من ثلاث عشرة جامعة، حوارًا مثمرًا بين المقاربات النظرية والنقدية والتجريبية، مسلّطًا الضوء على تعقيدات التواصل المعاصر.
كما أن التكامل بين الجلسات الحضورية والجلسات عن بُعد قد وسّع آفاق التفكير وعمّق التبادل بين التخصصات والسياقات الجغرافية المتنوعة. وقد شدّد المشاركون على أن التواصل المتكافئ ليس مجرد شعار، بل هو مشروع علمي ومجتمعي يستدعي مسؤولية مؤسساتية، ومقاربات بيداغوجية مبتكرة، وحلولًا فنية وسياسية.
وفي ختام الأشغال، دعت اللجنةُ المنظمة المتدخلين إلى إعادة النظر في مساهماتهم وإغنائها قصد تقييمها ونشرها لاحقًا، بما يضمن استدامة الدينامية الفكرية التي أطلقتها الندوة ويفتح آفاقًا جديدة حول رهانات ومستقبل التواصل المتكافئ.



