الجزائر وصدمة البريكس… وماذا بعد؟

مجموعة البريكس في جوهرها تحالف اقتصادي، وليست تجمعاً مناهضاً للإمبريالية، حقيقة بسيطة لم تدركها الجزائر، ومن سوء الفهم متعدد المستويات تولدت مشاعر إحباط واسعة نتيجة استبعادها من المجموعة، وقبول دول أخرى، ومنها إثيوبيا التي تعتبر بين الدول الفقيرة والغارقة في المشاكل، والإجابة المريرة التي يجب أن يتقبلها الجزائريون، أن إثيوبيا تمتلك أفقاً مستقبلياً لا يتوفر أمام الجزائر، التي ما زالت عالقةً في خطاب الثورة، ولم تتمكن من مفارقته تجاه واقع الدولة.

تعيش الجزائر في أزمة وجودية عميقة، ولعلها الدولة الوحيدة في العالم، التي يذكر نشيدها الوطني دولة أخرى، وهي المستعمر السابق فرنسا، والواقع أن فرنسا تستحق ذلك لما اقترفته من جرائم أثناء استعمارها الطويل للجزائر، إلا أن الجزائر أكبر وأعمق تاريخياً من أن تربط وجودها بلحظتي الاستعمار والثورة.

تتحمل فرنسا مسؤولية هائلة في تجريف الجزائر من خلال عزل الجزائريين المناهضين لاحتلالها المتطاول، واستبعادهم من الانخراط في المؤسسات في حالة مغايرة ومختلفة عن واقع الوجود الاستعماري في دول عربية أخرى، وجدت فيه المؤسسات التي استطاعت بصورة أو أخرى أن تتولى المسؤولية في الإدارة والتسيير بصورة مناسبة، حتى لحظة تدخل الجيش في الحياة السياسية، لأنها لم تكن مؤسسات ناضجة وعميقة على أي حال، ولكن الجزائر لم تتعامل مع هذه الفرصة من الأساس، ولذلك بقيت البنية المؤسسية في الجزائر في معاناة مستمرة جعلتها غير قادرة على الخروج من الثورة، وبقيت تعايش الخوف من صدمة ارتدادية عميقة، كما أن الواقع الثوري اختزل الثورة في المشاركين في صياغتها وورثتهم السياسيين، ممن تبنوا خطابها، وهذه الحالة في حد ذاتها جعلت الجزائر بلداً ماضوياً أكثر منه تجربة مستقبلية.

هذه الأزمة، حولت الجزائر إلى بلد منغلق غير قادر على مواكبة الحداثة، أو مجادلتها، ومن ذلك، أن الجزائر تضع شروطاً أصعب من أي دولة عربية أخرى للحصول على تأشيرة الدخول إلى أراضيها، وعلى الرغم من الثراء المذهل للطبيعة على أراضيها، فإنها ما زالت تحظى بحصة متواضعة للغاية من السياحة، وينطبق الأمر على الصناعة وعلى محركات اقتصادية أخرى ضرورية من أجل بناء اقتصاد منافس في الجزائر.

كل ذلك لا يمكن أن يبدأ إلا من العمل على بناء عقيدة جديدة في الجزائر، ومن انفتاح أكثر ايجابية على العالم يتحرر من عقد الماضي، فالجزائريون في تفسيرهم للاستبعاد من البريكس يتحججون برفض الهند والبرازيل، ويقترح البعض منهم توطيد العلاقة مع البلدين من أجل دعم ملف انضمامهم للمجموعة، وهذه المقاربة إشكالية في حد ذاتها، فالهند على معرفة عميقة بالجزائر من واقع الشراكة في حقبة صعود حركة عدم الانحياز، والبرازيل بدورها لا تتحيز لبلد مثل إثيوبيا ولا تتواصل معه بصورة يمكن أن توصف بالفاعلة، والفكرة أن الجزائر في علاقاتها مع دول الجوار لم تصنع التأثير المطلوب لتعتبر دولة مؤثرة في كتلة كاملة، وجميع ما تقوم به الجزائر من أدوار في دول جنوب الصحراء وغرب افريقيا يمكن أن يعتبر تداخلاً خجولاً لا يمنحها الزعامة الإقليمية، وهو الدور الذي تسعى إثيوبيا لممارسته في شرق افريقيا من خلال التأثير في دول مثل، أوغندا وجنوب السودان وكينيا.

الجزائر منشغلة باستمرار المعادلة القائمة منذ الاستقلال، والمؤسسات التي أنتجتها مرحلة الاستقلال، والدروس التي كان يجب أن يتم وضعها على الطاولة وتدارسها بعمق بعد أزمة انتخابات 1991 والدخول في العشرية السوداء، وهو الأمر الذي تغافلت عنه السلطة، كما تغافلت أصلاً عن صعود الإسلاميين في المرحلة التي سبقت الانتخابات.

من أجل جزائر قادرة على المبادرة الخارجية والوجود في الأقاليم التي تتقاطع معها في شمال افريقيا، ودول جنوب الصحراء، والبحر المتوسط، توجد متطلبات داخلية، من أهمها إشاعة المساهمة السياسية، بعيداً عن المظاهر الشكلية التي وضعت الأحزاب في البرلمان من غير أن تقوم بتفعيل دورها في وسط حالة عامة من الانكفاء والزهد في المشاركة الفعالة. الانفتاح على الاستثمار ووضع أسس واضحة لاجتذاب المستثمرين، وتحمل تكلفة التحولات الاجتماعية المترتبة على ذلك، ضرورة في الجزائر، وبالنظر إلى الصين، فإن جانباً من نهضتها كان متوازياً من استغلال ذكي للحظة تناقض تاريخية بين الكتلتين الشرقية والغربية استطاعت من خلالها أن تجتذب اهتماماً أمريكياً تمثل في زيارة ريتشارد نيكسون إلى بكين 1972، وأطلق معادلة لرأسمالية خاصة على النمط الصيني.

لا تعوز الجزائر الثروات الطبيعية والبشرية، والجزائريون في أوروبا يمكنهم أن يمثلوا رافداً مهماً لتحقيق نهضة وطنية تقدم إلى العالم الجزائر الجديدة، والانفتاح الجزائري على الشركاء العرب ضروري بصورة جذرية في هذه المرحلة، والتخوفات الأمنية يمكن أن تخفف من تطرفها وأن تلجأ إلى مقاربات جديدة.

الجزائر عملاق يعيش في غفوة، والفرص تمر من جواره ومن فوقه، واليوم، الفرصة مفتوحة من أجل ثورة جديدة هادئة وبيضاء تعيد بناء صورة ذهنية إيجابية وتسعى إلى التفاعل البراغماتي مع العالم، ربما على النمط التركي أو أي نموذج تقدم اقتصادي يمكن استيعابه في الثقافة الجزائرية والسياقات العامة للدولة والمجتمع. صدمة البريكس نقطة يمكن أن تحدث تحولاً هادئاً، وأن تدفع الجزائريين للتساؤل والأهم من ذلك، محاولة تقديم إجابات صادقة غير تلك المعلبة والجاهزة التي استهلكت لسنوات من غير طائل.
سامح المحاريق/ كاتب أردني نقلا عن القدس العربي

مقالات ذات صلة