” لا لإدماج المرأة في التنمية! .” لماذا؟

أيتلحو إدريس أستاذ السوسيولوجيا بجامعة القاضي عياض يكتب عن مفهوم إدماج المرأة  

 

فبدل أن نقبل فكرة “إدماج المرأة في التنمية” كما لو أن المرأة توجد خارج سيرورة التنمية ثم ينبغي إدخالها إليها، فإننا نرفض هذا التصور من أساسه.

ذلك أن عبارة “إدماج المرأة” تفترض ضمنيًا أن المرأة ليست أصلًا داخل المجتمع المنتج، ولا داخل الاقتصاد اليومي، ولا داخل التربية وإعادة إنتاج الحياة الاجتماعية. والحال أن المرأة، في الواقع الاجتماعي والتاريخي، لم تكن يومًا خارج التنمية، بل كانت دائمًا أحد الفاعلين الأساسيين فيها، وإن ظلّ دورها في كثير من الأحيان غير معترف به أو غير مرئي في المؤشرات والخطابات الرسمية.

من هنا تأتي قوة هذا القول، لأنه يفضح أحيانًا الطابع التقني والمتعالي لبعض لغات التنمية حين تتحدث عن المرأة كما لو كانت “فئة خاصة” تحتاج إلى إدخالها في الدورة الاجتماعية. فالمشكل الحقيقي ليس أن المرأة خارج التنمية حتى نُدمجها فيها، بل أن مساهمتها غالبًا ما تكون غير مُثمَّنة، أو غير مُعترف بها، أو مُهمَّشة في السياسات العمومية وفي التمثلات الاجتماعية. لذلك فإن القضية ليست قضية إدماج، بل قضية اعتراف وإنصاف: الاعتراف بالدور البنيوي الذي تؤديه النساء في الاقتصاد والمجتمع، والإنصاف في توزيع الفرص والحقوق والموارد.

ومن زاوية سوسيولوجية، يمكن فهم هذا القول بوصفه نقدًا للنزعة الأبوية المبطنة في بعض مفاهيم التنمية. لأن عبارة “إدماج المرأة” قد توحي بأن هناك مركزًا قائمًا يعرّفه الرجال، وأن النساء مجرد أطراف يُسمح لها بالدخول إلى هذا المركز. وهنا تتحول التنمية إلى فضاء يحدده الفاعل الذكوري، بينما تُقدَّم المرأة كموضوع للتأهيل أو التصحيح أو الاستلحاق. أما هذا القول فيرفض هذا المنطق، ويؤكد أن المرأة ليست موضوعًا للتنمية بل ذاتٌ فاعلة فيها، بل أحد شروط قيامها.

غير أن هذا الموقف يحتاج أيضًا إلى شيء من الدقة حتى لا يُساء فهمه. فرفض عبارة “إدماج المرأة في التنمية” لا يعني رفض السياسات العمومية التي تهدف إلى معالجة الاختلالات التي تعاني منها النساء. فهناك فرق واضح بين نقد العبارة ونقد الحاجة إلى الإنصاف. فالواقع الاجتماعي يُظهر أن كثيرًا من النساء ما زلن يواجهن عوائق بنيوية في مجالات متعددة، مثل الولوج إلى الشغل اللائق، والإنصاف في الأجور، والتمثيل في مواقع القرار، والحماية الاجتماعية. لذلك فإن المطلوب ليس التخلي عن السياسات الموجهة لتحقيق العدالة، بل تغيير زاوية النظر: المرأة ليست مشكلة ينبغي إدماجها، بل فاعل أساسي ينبغي رفع التهميش عن مساهمته وإزالة العوائق أمام حقوقه.

بهذا المعنى، فإن هذه العبارة تكتسب قوتها الفكرية من قدرتها على تفكيك وهم لغوي وسياسي شائع. فهي تعيد تعريف موقع المرأة في المجتمع لا بوصفها موضوعًا للإدماج، بل بوصفها شريكًا أصيلًا وصانعًا للتنمية. ولذلك يمكن تلخيص الفكرة في صيغة أكثر تركيزًا:

المرأة ليست هامش التنمية حتى تُدمج فيها، بل هي من شروط قيامها أصلًا؛ والمطلوب ليس إدماجها، بل إزالة البنيات التي تُقصي مساهمتها وتُضعف الاعتراف بها.

مقالات ذات صلة