قرار الكاف وشموخ “الدولة-الأمة”: مغرب الأفعال يخرس ضجيج الشعارات
لم يكن قرار لجنة الاستئناف التابعة للاتحاد الإفريقي لكرة القدم (CAF)، القاضي باعتبار المنتخب الوطني المغربي فائزا في نهائي كأس الأمم الإفريقية 2025 بعد انسحاب السنغال، مجرد قرار رياضي تقني لتطبيق المادتين 82 و84 من لائحة كأس الأمم الإفريقية؛ بل كان لحظة كاشفة لانتصار منطق الدولة والمؤسسات على منطق العبث والتشويش. هذا القرار جاء لينصف “مملكة التاريخ” التي قدمت للعالم دورة استثنائية بكل المقاييس، دورة تليق بمجد مغرب ضارب بجذوره في التاريخ.
بينما اختار البعض لغة التصعيد الإعلامي والخرجات غير المحسوبة، نهجت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم طريقا يعكس نضج الدولة المغربية. لقد آمن المغرب بالمؤسسات وسلك المساطر القانونية الواضحة، مؤكدا أن الحق يسترد في ردهات القانون لا في صخب الميكروفونات. هذا السلوك الحضاري هو الذي أعاد الحق لأصحابه، وهو درس بليغ في كيفية تدبير الأزمات برصانة الكبار، بعيدا عن الانفعالات اللحظية.
إن النجاح الباهر الذي حققه المغرب في تنظيم “الكان”، من خلال ملاعب بمواصفات عالمية ولوجستيك مبهر وتنظيم محكم، لم يمر بردا وسلاما على أعداء النجاح. لقد تحركت “آلة إعلامية” ومطابخ “الأقلام المأجورة” لمهاجمة المملكة، ليس لخطأ ارتكبته، بل لنجاحها الذي كشف عجز الآخرين.
لقد واجه المغرب وحيدا حربا إعلامية شرسة، ترجمت في أكثر من 800 ألف تغريدة معادية خلال فعاليات البطولة فقط، في محاولة يائسة لتبخيس المنجز الوطني. لكن الواقع كان أقوى من الافتراض؛ فالملاعب التي شيدت والاحترافية التي عدت كانت هي الرد المفحم، ليخرج المغرب منتصرا في “حرب الوعي” كما انتصر دائما في معارك سابقة تكالب فيها الخصوم عليه.
ما حدث في “كان المغرب 2025” هو مرآة لتحول أعمق تعيشه المملكة. نحن أمام دولة قوية بمؤسساتها، متينة ببنيتها التحتية، وحازمة في مواقفها. هذا التميز لم يعد محصوراً في رقعة الملعب، بل يمتد ليشمل الدبلوماسية المغربية التي أصبحت رقما صعبا، والسياسة الخارجية التي تبنى على الوضوح والندية، والمكانة الأمنية التي جعلت من المغرب شريكا دوليا يحظى بثقة القوى العظمى.
إن المغرب اليوم يكرس عقيدة “القافلة تسير والكلاب تنبح”. لا يلتفت للمشوشين، ولا يضيع وقته في الرد على أصحاب النيات السيئة، بل يركز على بناء صرحه الحضاري. إنها ثقة “الدولة-الأمة” التي تعرف قدرها وتدرك أن الصعود إلى القمة يتطلب نفسا طويلا وإيمانا راسخا بالعمل لا بالقول.
قرار الكاف هو تتويج لمسار من الجدية التي دعا إليها الملك محمد السادس. هو اعتراف بأن المغرب لا يربح بالصدفة، بل يربح لأنه يمتلك الرؤية، والمؤسسات، والتاريخ. سيبقى “كان 2025” مسجلاً في الذاكرة كأفضل دورة في تاريخ القارة، وسيبقى المغرب شامخا، يواجه الحروب الإعلامية بالمنجزات الواقعية، ويحول كيد الكائدين إلى دروس في النجاح.
إن هذا الصمود والنجاح المغربي ليس وليد الصدفة، بل هو امتداد طبيعي لملحمة “قطر 2022″، التي لم تكن مجرد إنجاز رياضي ببلوغ نصف النهائي كأول منتخب إفريقي وعربي يصل لهذا الدور، بل كانت ثورة في الوعي الجمعي العالمي. لقد حطم المغرب في المونديال عقدة “النقص” التاريخية، وأثبت للعالم أجمع أن دول ما يسمى “العالم الثالث” قادرة على مقارعة الكبار وترويض المستحيل إذا ما تسلحت بالإرادة الصلبة والتخطيط العلمي. لقد قدمت المملكة درسا في أن التفوق ليس حكرا على جغرافيا معينة، بل هو نتاج “النية” والعمل والروح القتالية، محولة الحلم المستحيل إلى حقيقة واقعة ألهمت الملايين عبر المعمورة.
هذا النفس الانتصاري الذي بدأ في ملاعب المونديال، هو نفسه الذي يسكن المؤسسات المغربية اليوم؛ إرادة لا تنكسر وطموح يعانق السماء. إن التجربة المغربية في “الكان” وما تلاها من انتصار قانوني بقرار “الكاف”، تؤكد أن المملكة لا تلعب فقط من أجل الألقاب، بل تكرس نموذجا تنمويا ورياضيا فريدا. هو برهان على أن العزيمة الوطنية حين تقترن بالاحترافية والمؤسسات القوية، تتحول إلى قوة ناعمة قادرة على تغيير موازين القوى وإعادة كتابة التاريخ. المغرب اليوم يبعث برسالة لكل الشعوب الطموحة: إن الإرادة الوطنية هي المحرك الوحيد للعبور نحو المجد، بعيدا عن ضجيج المشوشين
حسن قديم
مدير موقع الميدان بريس



