بين الرقمنة وتعزيز الثقة… هل تكفي التقنية لإنجاح انتخابات 2026؟
بقلم عبد الرحيم مستاوي
في خطوة تبدو للوهلة الأولى نوعية، أقدمت الحكومة على إصدار مرسوم يحدد موعد الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026، مرفوقًا بإطلاق منصة رقمية لإيداع الترشيحات، في توجه واضح نحو تحديث آليات تدبير الاستحقاقات الانتخابية. وهي مبادرة تحمل في طياتها رسائل متعددة، تتراوح بين الرغبة في تسريع المساطر، وتقليص الأخطاء، وتكريس مبدأ الشفافية.
غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه ليس تقنيًا بقدر ما هو سياسي: هل تكفي الرقمنة وحدها لإعادة الثقة في العملية الانتخابية؟
لا شك أن اعتماد منصة إلكترونية لتلقي الترشيحات يشكل تطورًا مهمًا، خاصة من حيث تقليص البيروقراطية، وتوحيد المعايير، وضبط آجال دقيقة للإيداع. كما أن فتح إمكانية التسجيل في اللوائح الانتخابية إلكترونيًا طيلة السنة يعكس إرادة لتوسيع قاعدة المشاركة وتسهيل ولوج المواطنين إلى حقهم الدستوري.
لكن، في المقابل، تظل هذه الإجراءات—رغم أهميتها—مجرد أدوات، لا يمكنها أن تعوض الاختلالات البنيوية التي تطبع الممارسة السياسية. فالتجارب السابقة أبانت أن الإشكال لا يكمن فقط في المساطر، بل في طبيعة التنافس الانتخابي ذاته، حيث لا تزال بعض الممارسات، كاستعمال المال للتأثير على إرادة الناخبين، تلقي بظلالها على مصداقية العملية برمتها.
إن الرهان الحقيقي اليوم لا يتعلق فقط برقمنة الترشيحات، بل برقمنة الثقة نفسها، إن صح التعبير. وهي ثقة لا تُبنى بالمنصات، بل بإرادة سياسية واضحة في:
• تخليق الحياة العامة،
• ربط المسؤولية بالمحاسبة،
• ضمان تكافؤ الفرص بين المتنافسين،
• والقطع مع كل أشكال “الإحسان الانتخابي” الذي يفرغ العملية الديمقراطية من مضمونها.
ثم إن نجاح هذه التجربة الرقمية يظل رهينًا بمدى جاهزية الفاعلين السياسيين، خاصة على المستوى المحلي، للتفاعل مع هذه التحولات. فالفجوة الرقمية، وضعف التأطير، قد يشكلان عائقًا أمام بعض الفئات، ما يستدعي مواكبة حقيقية، وليس فقط إطلاق منصات.
في المحصلة، يمكن القول إن انتخابات 2026 تفتح صفحة جديدة على مستوى الوسائل، لكنها لم تحسم بعد في جوهر الرهان الديمقراطي. فالانتخابات ليست مجرد مواعيد مضبوطة ومنصات رقمية، بل هي قبل كل شيء تعبير عن إرادة شعبية حرة، ومنافسة نزيهة، ومؤسسات تعكس فعليًا تطلعات المواطنين.
وبين الطموح التقني والواقع السياسي، يبقى التحدي الأكبر: كيف نحول هذه الأدوات الحديثة إلى مدخل حقيقي لإحياء الثقة، وليس فقط تجميل واجهة العملية الانتخابية؟


