المغرب مرة أخرى… حين تُقاس قوة الدول في زمن الأزمات

لا تُقاس قوة الدول في أزمنة الرخاء والسلم، ولا تُعرف من خلال الشعارات الرنانة أو الخطب المنبرية، بل إن الاختبار الحقيقي لمفهوم “الدولة” يتجلى في اللحظات الفارقة، حين تشتد الأزمات وتتعاظم المخاطر وتصبح أرواح المواطنين على المحك. في تلك اللحظة يبرز “المعدن الأصيل” لدولة قادرة على حماية مواطنيها قبل بنيانها.

ما شهدته مدينة القصر الكبير المغربية وجهة “طنجة-تطوان-الحسيمة” خلال الأسابيع الأخيرة، في مواجهة فيضانات استثنائية لم تعرفها المنطقة منذ عقود، لم يكن مجرد عملية إغاثة تقنية روتينية، بل كان مشهداً مكتملاً لدولة تتحرك بكامل ثقلها: قرار ملكي سيادي، تنفيذ ميداني دقيق، وانضباط شعبي.

أن يتم إخلاء مدينة يقطنها عشرات الآلاف في وقت قياسي، دون تسجيل فوضى أو انفلات أمني، ودون صدام واحد بين السلطة والمواطن، أمر لا يمكن اعتباره عادياً في عالمنا المعاصر. إنه دليل ساطع على وجود “عقد اجتماعي” غير مكتوب، مبني على الثقة المتبادلة. حين امتثل المواطنون لتحذيرات السلطات، لم يفعلوا ذلك خوفاً من “الزجر”، بل يقيناً بأن هذه الإجراءات هي حبل النجاة الوحيد.

لقد تحولت أجهزة الدولة – من القوات المسلحة الملكية والسلطات والأمن والوقاية المدنية – إلى “جسد واحد” يعمل بمستوى عالٍ من التنسيق والجاهزية. هذا التدبير الاستباقي جعل من عملية الإخلاء نموذجاً يحتذى به في إدارة الكوارث، محوّلاً ما كان يمكن أن يكون فاجعة إنسانية إلى ملحمة في “التدبير الاستباقي”.

في قلب هذا المشهد، برزت القوات المسلحة الملكية كركيزة أساسية في منظومة الحماية الوطنية. لقد أثبت الجيش المغربي، تحت قيادة الملك محمد السادس، بصفته القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة، أنه ليس مجرد قوة عسكرية تقليدية لحماية الحدود، بل مؤسسة حديثة مجهزة بأحدث التقنيات اللوجستية والعلمية لمواجهة الكوارث الطبيعية.

الأرقام هنا تتحدث بلغة الصدمة واليقظة؛ فحقينة سد “وادي المخازن” – صمام الأمان للمنطقة – بلغت حوالي 945 مليون متر مكعب بنسبة ملء تجاوزت 140% نتيجة واردات مائية قياسية إلى حدود 2 شباط/فبراير الجاري. في أي سياق آخر، كان هذا الرقم يعني “كارثة محققة”، لكن اليقظة الدائمة والتدبير التقني المحكم حالا دون ذلك، مؤكّدين أن الكفاءة المغربية أصبحت اليوم قادرة على تجنيب المملكة أسوأ السيناريوهات.

لم تكن الدولة وحدها في الميدان، بل كان “الإنسان المغربي” هو البطل الموازي. تلك المشاهد التي تقشعر لها الأبدان، حيث فتحت الأسر بيوتها وقلوبها لاحتضان النازحين من الفيضانات، تعيد إلى الأذهان روح “زلزال الحوز”. هو ذلك المعدن الذي يظهر حين تختبر الهوية الوطنية؛ حيث يتلاشى الفرد وتبرز الجماعة، ويصبح الغذاء والدواء والدم ملكاً مشاعاً للجميع.

ومن أكثر النقاط إثارة للتأمل في تدبير المغرب لهذه الأزمة عقيدة “الاعتماد على الذات”، إذ اختار المغرب أن يواجه قدره بسواعد أبنائه. لم يطلب المغرب مساعدة من أحد، بل كرّس قناعة راسخة مفادها أن “أهل مكة أدرى بشعابها”، وأن الدولة التي لا تستطيع حماية مواطنيها بمقدراتها الخاصة هي دولة ناقصة السيادة. إنها تلك اللحظة الفارقة التي حين يظن فيها البعض أن المغرب قد يترنح تحت وطأة الكارثة، يخرج أبناؤه من كل حدب وصوب، يشمرون عن سواعدهم، ويحوّلون “المحنة” إلى “ملحمة” وطنية بتمويل مغربي، وخبرة مغربية، وروح مغربية خالصة، ليثبتوا للعالم أن كرامة الوطن من كرامة مواطنيه.

هذا الالتحام العفوي بين المؤسسة والمواطن يرسل رسالة بليغة لكل من يسيء تقدير قوة المغرب؛ إن هذا البلد، حين يُحشر في الزاوية، يتحول إلى كتلة صلبة عصية على الانكسار… ملاحم التاريخ شاهدة على ذلك.

ومن الصدف التاريخية الملهمة أن يحمل السد الذي حمى المنطقة اسم “وادي المخازن”. هذا الاسم ليس مجرد تسمية جغرافية، بل إحالة مباشرة إلى واحدة من أعظم ملاحم التاريخ المغربي: “معركة الملوك الثلاثة” عام 1578. في ذلك الزمان، حاول البرتغاليون بأسطول فاق 500 قطعة بحرية وجيش عرمرم من المرتزقة، فضلاً عن وضع الملك الإسباني رهن إشارة ملك البرتغال وحدات بحرية أخرى انضمت إلى الجيش البرتغالي، كسر شوكة المغرب. لكن الذكاء العسكري المغربي آنذاك استدرج الغزاة إلى سهل “وادي المخازن”، وتم تحطيم الجسر لمنع تراجعهم، لتنتهي المعركة بنصر مبين، إذ مُني البرتغاليون بهزيمة ساحقة، قُتل فيها ملكهم والملك المخلوع محمد المتوكل، فيما توفي السلطان عبد الملك السعدي مسموماً أثناء المعركة. وقد أخفى السلطان أحمد المنصور الذهبي خبر وفاة أخيه ليواصل قيادة المعركة حتى تحقيق النصر المبين، الذي كرّس هيبة المغرب كقوة دولية وزاد من مكانته في إفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط، وجعل منه كياناً وطنياً مهاب الجانب وداراً للسلام والأمن.

اليوم، يخوض المغرب “معركة وادي مخازن” جديدة، لكنها معركة ضد الطبيعة وضد الأزمات العابرة للحدود. إذا كانت المعركة القديمة قد حُسمت بالقوة العسكرية وبالسيوف والخيول، فإن المعركة الحالية تُحسم بالمؤسسات والتخطيط الاستراتيجي والالتحام الشعبي.

إن ما حدث في القصر الكبير يجب وضعه ضمن سياق أوسع لمسار الدولة المغربية الحديثة: بدءاً من التدبير المتميز لجائحة كورونا، مروراً بالاستجابة السريعة لزلزال الحوز، وصولاً إلى النجاحات الدبلوماسية والرياضية الكبرى، آخرها النجاح الباهر لتنظيم كأس إفريقيا. نحن أمام مسار متكامل يؤكد أن المغرب يراكم خبرة مؤسساتية حقيقية في “إدارة الأزمات”.

إنها رسالة للعالم: القوة لا تكمن في امتلاك السلاح فقط، بل في امتلاك الإرادة والقدرة على حماية الكرامة الإنسانية في أحلك الظروف. سيظل المغرب، بفضل تلاحم عرشه وشعبه، داراً للأمان ومنارة للتضامن، وبرهاناً حياً على أن الأمم العريقة هي التي تخرج من “أتون الأزمات” أكثر قوة وتماسكاً.

قديم حسن

مقالات ذات صلة