هل يمكن تصور العدالة في غياب المحاماة؟

وهل لا يزال هناك حكماء في قطاع العدل بالمغرب؟

 

د. محمد أمغار
محام بهيئة الدارالبيضاء

يشهد المغرب اليوم نقاشًا غير مسبوق حول مشروع إصلاح مهنة المحاماة والعلاقة بين السلطة الحكومية المكلفة بالعدل والمؤسسات المهنية للمحامين. وقد أفرز هذا النقاش حالة من الاحتقان انعكست بشكل مباشر على السير العادي لمرفق العدالة، الأمر الذي يفرض العودة إلى المبادئ المؤسسة لدولة الحق والقانون، بعيدًا عن منطق التدافع الظرفي أو تغليب موازين القوة.

فالسؤال الحقيقي ليس من انتصر في هذا الخلاف، وإنما: هل يمكن تصور عدالة حقيقية في غياب محاماة مستقلة؟

إن الجواب عن هذا السؤال لا يوجد في تفاصيل الخلاف الراهن، وإنما في تاريخ العدالة الإنسانية، وفي الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، والمبادئ الأساسية للأمم المتحدة بشأن استقلال السلطة القضائية ودور المحامين، وكذا في الدساتير الديمقراطية والتشريعات المقارنة.

ذلك أن استقلال المحاماة ليس امتيازًا لفئة مهنية، وإنما هو ضمانة للمتقاضي، وركن أساسي من أركان المحاكمة العادلة، إلى جانب استقلال القضاء.

وقد أدرك المغرب هذه الحقيقة مع بداية انفتاحه الحقوقي خلال أواخر ثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي، حيث ساهم عدد من حكماء المهنة وفقهائها في ترسيخ هذا التصور، والدعوة إلى مراجعة النصوص القانونية التي كانت تمس باستقلال المحامي وحصانة الدفاع.

ويكفي التذكير، في هذا السياق، بالمواقف التاريخية للمرحوم الأستاذ النقيب محمد الودغيري خلال الحلقة الدراسية التي نظمها الاتحاد الدولي للمحامين بدكار بتاريخ 25 أبريل 1990، والتي انتقد فيها المادة 341 من قانون المسطرة المدنية، لما كانت تخوله لمحكمة الاستئناف من سلطات تأديبية مباشرة في مواجهة المحامي، بما يمس باستقلاله المهني.

كما لا يمكن إغفال الإسهام العلمي المتميز للسيد النقيب الدكتور عبد الله درميش، الذي أكد، خلال الندوة المنظمة بكلية الحقوق بالدار البيضاء يومي 23 و24 نونبر 1990، أن المحاماة رسالة إنسانية قبل أن تكون مهنة، وأن الدفاع عن استقلالها هو دفاع عن العدالة نفسها.

ولم يمض سوى أشهر قليلة حتى اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 9 شتنبر 1990، المبادئ الأساسية بشأن دور المحامين، بعد اعتمادها سنة 1985 للمبادئ الأساسية بشأن استقلال السلطة القضائية، وهو ما يؤكد أن المجتمع الدولي ينظر إلى القضاء والمحاماة باعتبارهما جناحين متكاملين لتحقيق العدالة، لا يمكن أن ينهض أحدهما على حساب الآخر.

ومن ثم، فإن العلاقة بين القاضي والمحامي لا ينبغي أن تقوم على منطق التبعية أو الهيمنة، وإنما على الاحترام المتبادل والاستقلال الوظيفي والتعاون المؤسسي في خدمة المتقاضي.

فالمحامي ملزم باحترام المحكمة، والمحكمة ملزمة باحترام المحامي. والمحامي مطالب بالالتزام بآداب المهنة وواجباتها، كما أن المؤسسة القضائية مطالبة بصيانة حصانة الدفاع وضمان ممارسة المحامي لمهامه بكل استقلال وحرية، وفق ما يقتضيه الدستور والقانون والمواثيق الدولية.

وقد كرست الأعراف المهنية المغربية، كما هو الشأن في التجارب المقارنة، مجموعة من القواعد التي تنظم هذه العلاقة، سواء تعلق الأمر باحترام اللياقة المتبادلة، أو تنظيم الجلسات، أو حماية حصانة الدفاع، أو ضمان استقلال المحامي أثناء أدائه٧ لرسالته.

ولذلك فإن أي إصلاح تشريعي يمس بمهنة المحاماة ينبغي أن ينطلق من هذه المرجعية الدستورية والحقوقية، وأن يوازن بين متطلبات تحديث العدالة والحفاظ على الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة.

فالمحامي، في النهاية، لا يدافع عن مصلحة خاصة، وإنما يدافع عن حق المواطن في الولوج إلى العدالة، وعن حقه في الدفاع، وهما حقان دستوريان كرستهما أحكام دستور المملكة، ولا سيما الفصلين 23 و120، إلى جانب ما ورد في تصدير الدستور من سمو الاتفاقيات الدولية في نطاق أحكام الدستور.

ومن هنا، فإن تنقية المنظومة القانونية من كل مقتضى قد يثير اللبس بشأن استقلال الدفاع، ومن ذلك بعض أحكام مشروع قانون المحاماة موضوع الازمة ، تظل خطوة ضرورية لتعزيز الأمن القانوني وترسيخ الثقة في العدالة.

لقد علمتنا التجارب المقارنة أن قوة الدولة لا تقاس بقدرتها على إخضاع المؤسسات المهنية، وإنما بقدرتها على بناء مؤسسات مستقلة ومتعاونة، يحكمها القانون وتؤطرها الحكمة.

ويبقى السؤال مطروحًا:

هل استمرار المؤسسات المهنية رهين بالأشخاص؟

وهل يمكن أن يتحقق إصلاح حقيقي لمنظومة العدالة دون احترام المبادئ الأممية التي تؤطر استقلال القضاء والمحاماة؟

إن المستقبل وحده كفيل بالإجابة، غير أن التاريخ يؤكد أن العدالة لا تستقيم إلا بجناحيها: قضاء مستقل ومحاماة مستقلة.

مقالات ذات صلة