ندوة “موسم الزهر” بتازة تضع “خارطة طريق” لإنقاذ المدن العتيقة وتدعو لإنهاء تشتت المسؤولية بين المؤسسات

تخليدا للذكرى الثالثة والعشرين لميلاد ولي العهد الأمير مولاي الحسن، وفي أجواء احتفالية بعبق التراث المغربي الأصيل، احتضنت مدينة تازة يوم الخميس الماضي ندوة وطنية كبرى تحت عنوان: “الشراكة بين المجتمع المدني والمؤسسات العمومية ودورها في تأهيل التراث المعماري وتثمينه”، وهي التظاهرة التي نظمتها مؤسسة “دار السماع” في إطار فعاليات النسخة السابعة من “موسم الزهر”، بشراكة مع الكلية متعددة التخصصات بتازة وائتلاف ذاكرة المغرب.

. وقد شكل هذا اللقاء العلمي، الذي احتضنه فضاء غرفة التجارة والصناعة، محطة استثنائية جمعت بين كبار الخبراء والباحثين لتشريح وضعية التراث المعماري بالمغرب وسبل إنقاذه من براثن النسيان والتهميش.

وفي هذا السياق، أكد  حميد السليماني، رئيس جمعية دار السماع، أن تنظيم هذه الندوة يأتي سعيا من الجمعية للانخراط في الحركية الوطنية لتأهيل المدن العتيقة التي أطلقها الملك محمد السادس، مثمناً القرارات الشجاعة للسلطات المحلية، وخاصة اتفاقية إعادة تهيئة المحلات المتضررة من حريق المدينة العتيقة، وكذا برنامج التنمية الحضرية 2023-2026 الرامي لترميم الأسوار التاريخية. وأوضح السليماني أن هذه المبادرات تكتسي أهمية قصوى لمواجهة الأخطار التي تهدد بعض المنازل المتداعية، مشدداً على ضرورة وجود برنامج متكامل يضمن حماية الهوية الثقافية لتازة العليا بمآثرها الخالدة كالجامع الأعظم والحصن السعدي والمدرسة المرينية.

وأضاف رئيس جمعية دار السماع أن الجمعية تهدف من خلال هذا اللقاء إلى تعزيز دور المجتمع المدني كقوة اقتراحية وشريك فعلي في التنمية كما نص على ذلك الدستور المغربي، وذلك عبر إشراك الجمعيات المتخصصة كائتلاف ذاكرة المغرب للاستفادة من تجارب وطنية ناجحة في مدن كآسفي وتطوان وتارودانت ومراكش. وأشار السليماني إلى أن الندوة ركزت على أن “التأهيل الاجتماعي” يجب أن يكون رفيق درب “التأهيل المعماري”، عبر إيجاد حلول توافقية للهشاشة التي تعيشها ساكنة المدن العتيقة وإدماجهم في عملية تثمين الموروث، معتبراً أن هذا النشاط الفكري هو خطوة عملية لإبراز أهمية العمل التشاركي في إنجاح أوراش الترميم.

وأطر أشغال الندوة محمد العزوزي، الباحث بوزارة الثقافة، الذي غاص في فلسفة التدخل في الأنسجة العتيقة، محذرا من الخلط المفاهيمي والقانوني بين “التجديد الحضري” الذي قد يشرعن الهدم، وبين “رد الاعتبار” الذي يهدف إلى صون الهوية المعمارية مع تحسين ظروف عيش الساكنة كأولوية قصوى.

من جانبه، ركز عبد المالك ناصري، عن الكلية متعددة التخصصات بتازة، على القيمة التاريخية الوازنة التي يزخر بها إقليم تازة، واصفا إياها بواحدة من أعرق المدن المغربية  التي تعود جذورها للعصرين الموحدي والمريني، مؤكدا أن تراث تازة ليس مجرد مآثر صماء بل هو رأسمال مادي ولامادي فريد يستوجب تظافر جهود الجامعة والمجتمع المدني لإخراجه من دائرة النسيان.

وبنبرة نقدية ، قدم الدكتور امحمد بن عبود، نائب رئيس جمعية تطاون أسمير، مداخلة قوية انتقد فيها “سياسة الترقيع” والحلول التقنية المؤقتة كالتدعيم بالعوارض الحديدية التي تشوه جمالية المدن العتيقة وتطيل أمد إغلاق المآثر، مستشهدا بتعثر مشاريع كبرى لسنوات طويلة مثل حالة المسجد الأعظم، كما استعرض تجربة تطوان الناجحة في ترميم خمسة منازل تاريخية تمثل خمسة قرون من التطور المعماري، وتوظيفها اجتماعيا عبر مشاريع شبابية لضمان استدامتها.

وفي سياق متصل بالذاكرة الروحية، أبرزت ثريا عربان، الكاتبة العامة لجمعية منية مراكش، أهمية صون التراث اللامادي مستحضرة تجربة مراكش في إحياء طقوس “الزهرية” وتقطير الزهر، معتبرة أن التراث هو “روح وحياة” يجب غرسها في وجدان الأجيال القادمة عبر مأسسة الشراكة مع المجتمع المدني.

أما عبد العالم دينية، المنسق الوطني لائتلاف ذاكرة المغرب، فقد فجر نقاشاحادا حول “الارتباك التشريعي” وتضارب القوانين، مشيرا إلى الاصطدام بين قانون التراث (33.22) وقانون السكنى (2017) الذي قد يؤدي إلى محو الهوية الأصيلة للمباني التاريخية، منتقدا تشتت المسؤولية بين عدة قطاعات وزارية، ومطالبا بضرورة إحداث “مركز وطني للتراث” يتمتع بسلطة القرار والاستقلالية.

من جهته، دعا عثمان العبسي، مدير مركز تطوان للتراث، إلى الانتقال الجذري من مرحلة “تراكم الدراسات الأكاديمية” إلى “الفعل الميداني الملموس”، مستعرضا مشروع وضع 250 لوحة تعريفية بمعالم تطوان كنموذج للخدمة العمومية التراثية التي يمكن لمدينة تازة الاستئناس بها لتعزيز جاذبيتها السياحية والثقافية.

وقد خلص المشاركون في هذا اللقاء العلمي الرفيع إلى رفع توصيات، ركزت في مجملها على ضرورة الإسراع في وتيرة ترميم المآثر المتعثرة بتازة، وملاءمة الترسانة القانونية للتعمير والسكنى مع متطلبات حماية التراث، فضلا عن إشراك المجتمع المدني كشريك في اتخاذ القرار، لضمان تحول التراث المعماري إلى قاطرة حقيقية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة بالإقليم.

مقالات ذات صلة