من مناظرة الصخيرات 2008 إلى كان 2025: حين تتحول الرياضة في المغرب من رؤية استراتيجية إلى إنجازات حقيقية

“أيتها السيدات والسادة

لا تخفى عليكم المكانة التي تحتلها الرياضة بكل أنواعها وفنونها، في نفوس المغاربة، وتجذرها في هويتهم الجماعية. ذلكم أننا أمة شغوفة بالرياضة، معبأة، بكل جماهيرها، لنصرة وتشجيع أبطالها، معتزة أيما اعتزاز بما يحققونه من إنجازات ورفع علم المغرب خفاقا في الملتقيات الدولية. كما أن الممارسة الرياضية أصبحت في عصرنا، حقا من الحقوق الأساسية للإنسان. وهذا ما يتطلب توسيع نطاق ممارستها، لتشمل كافة شرائح المجتمع، ذكورا وإناثا على حد سواء، وتمتد لتشمل المناطق المحرومة والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة. وبذلك تشكل الرياضة رافعة قوية للتنمية البشرية وللاندماج والتلاحم الاجتماعي ومحاربة الإقصاء والحرمان والتهميش. واعتبارا لما تتوفر عليه بلادنا من رصيد زاخر في الميدان الرياضي؛ فإن الإشكال الملح المطروح على المهنيين والسلطات التي تتولى تقنين وضبط القطاع الرياضي…”. مقتطف من الرسالة الملكية السامة الموجهة إلى المشاركين في المناظرة الوطنية حول الرياضة في الصخيرات يوم 24 أكتوبر2008.

إن تنظيم المملكة المغربية لكأس الأمم الإفريقية 2025 لم يكن حدثاً رياضياً عابراً أو معزولاً عن سياقه التاريخي والمؤسساتي، بل جاء تتويجاً لمسار فكري وسياسي متكامل انطلق منذ مناظرة الصخيرات حول الرياضة سنة 2008، برؤية استشرافية سديدة عبّر عنها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده في رسالته السامية الموجهة إلى المشاركين في المناظرة. وقد شكّلت تلك المحطة علامة فارقة في تاريخ الرياضة المغربية، إذ انتقلت فيها الرياضة من مجال ثانوي إلى سياسة عمومية تحظى بعناية خاصة من رئيس الدولة، ومن نشاط ترفيهي محدود الأثر إلى رافعة للتنمية الشاملة، وأداة رئيسية من أدوات القوة الناعمة للدولة المغربية.

ولا بد من الإشارة إلى أن مناظرة الصخيرات لم تتناول الرياضة باعتبارها مجرد مجال تنافسي محكوم بنطاق زمني محدد أو وسيلة ترفيهية، بل تطرقت إليها كوسيلة عصرية لإعادة بناء الإنسان المغربي الشغوف بالرياضة، وتجسيد إشعاع الهوية الوطنية الغنية بتنوعها الثقافي ورصيدها الحضاري، وترسيخ صورة المغرب خارجياً باعتباره نموذجاً رائداً في شتى المجالات على الصعيد الدولي.

ومن هذا المنطلق، يمكن اعتبار تنظيم بطولة كاس الأمم الإفريقية “كان 2025” ثمرة مباشرة للرؤية الاستشرافية المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، وليس مجرد استجابة تقنية لمتطلبات تنظيمية قارية ظرفية.

فالمغرب بكل فخر واعتزاز حسم الرهان على مستوى التنظيم، والبنية التحتية، والأمن، والصورة الإعلامية قبل انطلاق فعاليات البطولة، في تجسيد عملي لما نادت به مناظرة الصخيرات من ضرورة الانتقال من منطق التدبير الآني إلى منطق التخطيط الاستراتيجي بعيد المدى، وذلك تحت القيادة الحكيمة لجلالة الملك محمد السادس.

وفي هذا السياق ذاته، يُعد تشييد ملعب الأمير مولاي عبد الله في مدة قياسية لم تتجاوز خمسة عشر شهراً، وفق أحدث وأرقى المعايير الدولية، نموذجاً حياً على العبقرية المغربية، وتجسيد عملي لقدرة الدولة المغربية على تحويل الرؤية إلى فعل حقيقي، والاختيار السياسي إلى إنجاز ملموس على أرض الواقع يحظى بإشادة واحترام الجميع عبر العالم. وما يزيد هذا الإنجاز قيمة أن المشروع مغربي محض، من حيث الفكرة، والتنفيذ، والأيادي العاملة، والتمويل الذاتي، بما يعكس نجاعة النموذج المغربي في تنزيل المشاريع الكبرى، في ظل القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده.

وإلى جانب تشييد أيقونة الملاعب العالمية، ملعب الأمير مولاي عبد الله، تعزّز هذا الورش الرياضي الطموح بإحداث الملعب الأولمبي بمحاذاته، كما شمل هذا المسار الاستراتيجي تشييد وإعادة تأهيل عدد من المنشآت الرياضية الكبرى، من بينها ملعب مولاي الحسن، وملعب المدينة، وملعب طنجة الكبير، وملعب محمد الخامس بالدار البيضاء، وملعب أكادير الكبير، إلى جانب ملاعب أخرى موزعة على مختلف جهات المملكة. وقد خضعت هذه المنشآت لأشغال تحديث شاملة وفق معايير دولية حديثة، بما يضمن جاهزيتها التقنية والتنظيمية، ويكرّس العدالة المجالية في توزيع البنية التحتية الرياضية، انسجاماً مع الرؤية المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، التي تجعل من الرياضة رافعة للتنمية ومحركاً للإدماج الاجتماعي والإشعاع الدولي للمغرب.

وعلى مستوى الحكامة الأمنية والتنظيمية، أكد المغرب أن التظاهرات الرياضية الكبرى لا تُدار فقط بالمنشآت، بل كذلك بثقافة مؤسساتية قوامها التنسيق المحكم، والاحتراف المهنية، التي تتجلى في القدرة على ضبط التوازن بين المتطلبات الأمنية والانفتاح المسؤول على العالم. وقد منح ذلك البطولة طابعاً مميزاً تجاوز الحدث الرياضي في حد ذاته، ليقدّم صورة دولة قادرة على احتضان إفريقيا والعالم بثقة ومسؤولية عاليتين، وهو ما يفسر اهتمام مؤسسات دولية، من بينها مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي (FBI)، بالاطلاع على التجربة المغربية في هذا المجال.

بيد أن أبرز عامل في هذا الورش الضخم يظل البعد القيمي والإنساني، الذي شكّل جوهر النقاش في مناظرة الصخيرات سنة 2008، حين جرى التأكيد على أن الرياضة أداة لترسيخ الروح الرياضية، وتعزيز قيم المواطنة، ونشر قيم التسامح التي تقوم عليها الأمة المغربية.

 وبرز ذلك البعد جلياً خلال فعاليات “كان 2025″، حيث استقبل المغاربة الجماهير الإفريقية التي حلّت بالمملكة لمؤازرة منتخباتها بحفاوة كبيرة، وقدموا نموذجاً فريداً في كرم الضيافة، يجسد ارتباطهم وانتمائهم الحضاري الممتد لأكثر من اثني عشر قرناً، مما جعل من البطولة فضاءً مميزاً للتواصل الأخوي الصادق بين شعوب القارة الإفريقية والعالم، ومجالاً للتعبير عن الاعتزاز بالقيم الوطنية، واحترام عادات وتقاليد مختلف المجتمعات الإفريقية، بقدر ما كانت مجالاً للتنافس الرياضي الشريف.

وعليه، إن هذا المسار الحافل بالإنجازات بما يحمله من دلالات رمزية عميقة، يعكس طموح المغرب في ترسيخ موقعه كقطب رياضي قاري ودولي، وجعل الرياضة فضاءً للإبداع والابتكار، والإشعاع الحضاري للهوية المغربية المتجذرة، والتواصل الإنساني مع العالم أجمع.

كما يمكن القول إن النجاح اللافت الذي حققته هذه البطولة يدل على نجاعة الخيار الاستراتيجي للمملكة المغربية القائم على توظيف الرياضة كرافعة أساسية للنموذج التنموي الجديد، وكأداة فعالة من أدوات القوة الناعمة لتعزيز الحضور الإفريقي والدولي للمغرب. وهذا ما أكدت عليه مخرجات مناظرة الصخيرات، أن الرياضة لا تُقاس فقط بعدد الألقاب والميداليات، بل بقدرتها على إحداث أثر مستدام في المجتمع، وبناء صورة إيجابية للدولة، وصناعة رأسمال رمزي يعزز الثقة والمصداقية على الصعيدين الوطني والدولي.

وبحسب آراء الخبراء والمحللين الرياضيين والمدربين واللاعبين والجماهير، فإن “كان 2025” يعد من أفضل البطولات القارية على الإطلاق، من حيث التنظيم والمستوى الفني والصورة العامة، منذ انطلاق أول نسخة للبطولة إلى اليوم.

وخلاصة القول، فإن كأس الأمم الإفريقية 2025 لم يكن مجرد بطولة ناجحة، بل محطة مفصلية جسدت مساراً استراتيجياً انطلق منذ مناظرة الصخيرات سنة 2008، ورسالة واضحة إلى العالم بأسره مفادها أن المغرب، بحكمة قيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، وبعزم أبنائه، قد اختار مسار الإنجازات، ورسخ مكانته في المنتظم الدولي كفاعل نوعي موثوق في شتى المجالات.

ديما مغرب .. مغرب العز بين الأمم… مغرب محمد السادس… مغرب الإنجازات، حين تصبح البطولة فضاءً للإبداع وعنواناً للحضارة والأصالة، لا مجرد مسابقة رياضية.

  • حازم مصطفى شملخ دكتور في الحقوق جامعة محمد الخامس بالرباط
  • البريد الالكتروني: [email protected]

مقالات ذات صلة