مدارس الريادة: إصلاح يتقن صناعة الواجهة ويفشل في بناء الجوهر
يصعب إصدار حكم قاس على مشروع قدم كمنقد للمدرسة العمومية، لكن تجربة “مدارس الريادة” تفرض هذا الحكم بقوة الوقائع: نحن أمام نموذج يتقن التركيز على الشكل أكثر من المضمون، لكنه يعجز عن النفوذ لعمق التعلم، بل ويعيد إنتاج نفس أعطاب المنظومة بصيغة جديدة.
منذ البداية، اختارت هذه التجربة أن تراهن على ما يظهر لا على ما يبنى. فالمؤسسة “الرائدة” تقاس بمدى احترامها لدلائل جاهزة، وبمدى انضباطها لإجراءات تنظيمية دقيقة، وكأن الجودة التربوية يمكن أن تختزل في ملء الجداول وتتبع المؤشرات ورفعها . داخل الفصول، يطلب من الأستاذ الالتزام الحرفي بسيناريوهات بيداغوجية محددة سلفا، تفرغ الفعل التعليمي من كنهه، وتحوله لمجرد عرض تقني يعاد إنتاجه يوميا دون مساءلة أو إبداع. هنا يفقد التعليم جوهره: كونه علاقة إنسانية معقدة، لا وصفة جاهزة.
في هذا السياق، لم يعد الأستاذ ذلك الفاعل التربوي الذي يبني الدرس و يبدع فيه، بل صار مجرد منفذ لتعليمات مركزية. يتم تجريده من سلطته التقديرية داخل القسم، ومن حقه في اتخاذ القرار البيداغوجي المناسب لسياق تلامذته. الأخطر من ذلك أن هذا الاختزال يقدم بوصفه“تأطيرا” و“مواكبة”، بينما هو في العمق شكل من أشكال الوصاية التي تفرغ المهنة من معناها، وتدفع نحو نمط من الامتثال بدل المبادرة.
وإذا كان من المفترض أن أي إصلاح جدي ينطلق من الواقع الملموس للمؤسسات، فإن “مدارس الريادة” سارت في الاتجاه المعاكس تماما. فرضت نموذجا موحدا، أعمى لا راعي الفوارق الصارخة بين المدارس: بين مؤسسات بالوسط الحضري مكتظة وبالوسط القروي مهمشة، بين مؤسسات تتوفر على الحد الأدنى وأخرى تفتقر لأبسط الشروط. هذا التوحيد القسري لا يحقق العدالة، بل يكرس العبث: نفس الوصفة تفرض على سياقات غير متكافئة، فتكون النتيجة إما تطبيقا شكليا أو فشلا مقنعا بتقارير إيجابية.
أما على مستوى التعلمات، فقد تم السقوط في فخ التبسيط المفرط، الذي يتحول إلى تسطيح خطير. يتم تفكيك المعرفة إلى وحدات صغيرة قابلة للقياس السريع، على حساب بناء الفهم العميق. يصبح الهدف هو إنجاز “نشاط” ناجح، لا ترسيخ كفاية حقيقية. هكذا ننتج متعلمين قادرين على الإجابة داخل القالب، لكنهم عاجزون عن التفكير خارجه. إنه تعليم يدرب على الامتثال، لا على الفهم ويجعل من التلميذ مجرد ببغاء يردد ما يتلقاه دون التفكير فيه دون نقده وتمحيصه.
ومن نتائج هذا التوجه أيضا قتل التميز. حين يتم توحيد المسارات والوتيرة والمحتوى، يصبح كل اختلاف عبئا وجب تقليصه، لا فرصة وجب استثمارها. التلميذ المتفوق يكبح باسم “الانسجام”، والمتعثر يجر دون دعم كاف، والجميع يدفع نحو حد أدنى مشترك. إنها مساواة سلبية، تسطح الفوارق بدل أن ترتقي بها، وتحول المدرسة إلى آلة لإنتاج نفس المخرجات الباهتة.
في المقابل، يثقل كاهل الأستاذ بسيل من المهام التي لم تعد تقتصر على التخطيط والتدريس، بل امتدت إلى طقوس رقمية مرهقة، على رأسها ملء الكفايات في منظومة “مسار”. فبدل أن تكون هذه الأداة وسيلة لتتبع تعلمات التلاميذ بشكل معقلن، تحولت إلى عبء يومي يستنزف وقت الأستاذ وتركيزه. يطلب منه إدخال معطيات دقيقة، وتفصيل مستويات الإنجاز، وتحيينها بشكل مستمر، وفق منطق تقني صارم لا يراعي ضغط الزمن داخل القسم ولا كثافة البرامج.
هذا الاشتغال المفرط على “مسك الكفايات” يجعل الأستاذ منشغلا بتغذية المنظومة الرقمية أكثر من انشغاله ببناء التعلم نفسه. يصبح الهاجس هو استكمال الخانات وإرضاء المؤشرات، لا مواكبة التلميذ فعليا. بل إن المفارقة الصادمة هي أن هذا التتبع الرقمي الدقيق لا ينعكس بالضرورة على دعم حقيقي للتعلمات، بل يظل حبيس الجداول والواجهات، في حين يظل التلميذ في حاجة إلى وقت بيداغوجي حقيقي لا توفره هذه البيروقراطية الرقمية.
وهكذا، يجد الأستاذ نفسه محاصرا بين إكراهات الزمن داخل الفصل، ومتطلبات الإدخال المستمر في “مسار”، فيتحول جزء كبير من عمله إلى وظيفة إدارية مقنعة. إنها بيروقراطية بيداغوجية جديدة، رقمية هذه المرة، ترهق الفاعل التربوي وتستنزف طاقته، دون مردود واضح على جودة التعلم، بل على العكس، تبعده تدريجيا عن جوهر مهنته: التدريس والتفاعل الإنساني مع المتعلمين.
لكن الأخطر في كل هذا ليس الاختلالات في حد ذاتها، بل الوهم الذي تنتجه: وهم أن الإصلاح يسير في الاتجاه الصحيح. فالمؤشرات أداة تلميع والتقارير أداة تجميل، والتجربة تقدم كنموذج ناجح، بينما الواقع داخل المؤسسات يقول شيئا آخر. وهذا أخطر ما يمكن أن يقع في إصلاح التعليم: أن نقنع أنفسنا بالنجاح بينما الفشل يتراكم بصمت.
في المحصلة، “مدارس الريادة” ليست مجرد تجربة لم تكتمل، بل نموذج يكشف حدود المقاربة التي بنيت عليها: مقاربة تؤمن بالتوحيد بدل التنويع، وبالتقنين بدل الثقة، وبالقياس السريع بدل البناء العميق. لذلك فإن فشلها ليس عرضيا، بل يكاد يكون نتيجة منطقية لاختياراتها الأساسية.
إن الاستمرار في هذا المسار لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة في شكل أكثر تنظيما، وأكثر قدرة على إخفاء أعطابه. أما الإصلاح الحقيقي، فيبدأ من إعادة الاعتبار للمدرس، والإنصات لواقع المؤسسات، وبناء تعلمات عميقة لا سطحية. دون ذلك، ستظل “مدارس الريادة” مجرد عنوان كبير لمشروع صغير مشروع فشل لأنه اختار أن يبدو ناجحا بدل أن يكون كذلك.
بقلم طه الفرحاوي مختص اجتماعي
فاعل نقابي FNE



