قضية إيبستين: لماذا يرفض هذا الملف أن يغلق؟
لم يكن اسم جيفري إيبستين ليعود إلى الواجهة اليوم لولا حقيقة واحدة مزعجة:
القضية لم تُحسم، والعدالة لم تكتمل.
رجل أعمال أمريكي، ظهر فجأة في دوائر النفوذ، بلا تاريخ مالي واضح ولا مسار مهني منطقي، قبل أن يتحول إلى صديق للساسة، ورفيق للمشاهير، وضيف دائم على قصور السلطة والمال.
لكن خلف هذه الواجهة اللامعة، كانت تُدار واحدة من أخطر قضايا الاستغلال الجنسي للقاصرات في العصر الحديث.
إيبستين ليس إشاعة، وليس اختراعًا إعلاميًا.
هو مدان سابقًا، وملفه القضائي موثّق، وضحاياه حقيقيات، وشهاداتهن محفوظة في أرشيف المحاكم. ومع ذلك، لسنوات طويلة، تمت معاملته باستثناء غير مفهوم: عقوبات مخففة، تسويات مريبة، وصمت ثقيل من مؤسسات يُفترض أنها حامية للقانون.
السؤال الحقيقي ليس: ماذا فعل إيبستين؟
بل: كيف استطاع أن يفعل كل ذلك دون أن يُوقَف؟
عندما اعتُقل مجددًا سنة 2019، بدا أن الحقيقة أخيرًا على وشك الخروج. لكن النهاية جاءت صادمة: وفاة داخل السجن، تحت حراسة مشددة، بكاميرات لا تعمل، وحراس غائبين. الرواية الرسمية قالت “انتحار”، أما الرأي العام فبقي معلقًا بين الشك والغضب.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد إيبستين مجرد شخص، بل رمزًا.
رمزًا لفشل العدالة أمام النفوذ،
ولقدرة المال على شراء الصمت،
ولسؤال مخيف: ماذا يحدث عندما يعرف شخص واحد أسرارًا أكثر مما يجب؟
عودة الملف اليوم لا تعني بالضرورة وجود جريمة جديدة، بل تعني أن الجرح لم يُغلق. وثائق تُنشر بالتقسيط، أسماء تظهر دون إدانة، وضحايا يشعرن أن الحقيقة دُفنت مع المتهم الرئيسي. وفي هذا الفراغ، تنمو نظريات المؤامرة، ويتحول الغموض إلى مادة للاستهلاك الإعلامي.
لكن الخطر الحقيقي ليس في الشك، بل في التعميم.
فليس كل اسم ذُكر مُدانًا، وليس كل علاقة جريمة. الصحافة الجادة لا تحاكم بالقرائن الاجتماعية، بل بالأدلة القانونية.
قضية إيبستين تذكير قاسٍ بأن العدالة لا تسقط فقط عندما يُبرَّأ المجرم، بل أيضًا عندما يموت قبل أن يتكلم. وهي دعوة مفتوحة للإعلام، لا للتهويل، بل للتمسك بالأسئلة الصحيحة:
من حمى؟
ولماذا؟
وكيف نمنع تكرار ذلك؟
لأن أخطر ما في هذه القصة…
أن إيبستين قد لا يكون الأخير.
عزيزة فكري



