سبتة وجبل طارق: مفارقات السيادة على ضفتي المضيق
بقلم الباحث: سعيد ايت حمو علي
في مضيق لا تتجاوز المسافة بين ضفتيه بضعة عشر كيلومترًا عند أضيق نقاطه، تتجاور قضيتان تختزلان تعقيدات السيادة في غرب البحر الأبيض المتوسط. فعلى الضفة الجنوبية، تتمسك إسبانيا بسيادتها على سبتة، المدينة الواقعة على الساحل الشمالي لإفريقيا والتي يطالب بها المغرب. وعلى الضفة الشمالية، تطالب مدريد بالسيادة على جبل طارق، الخاضع لبريطانيا.
تبدو المفارقة واضحة سياسيًا: دولة تدافع عن سيادتها على إقليم يطالب به جارها، وتطالب في الوقت نفسه بإقليم تديره دولة أخرى. لكن هذا التقابل لا يكفي لإثبات تطابق قانوني بين الحالتين؛ إذ تختلف مساراتهما التاريخية، والأسانيد التي يستند إليها أطرافهما، وموقعهما في مؤسسات الأمم المتحدة.
من هنا، لا تكمن أهمية المقارنة في مساواة سبتة بجبل طارق، بل في فهم كيفية توظيف الدول مفاهيم السيادة والسلامة الإقليمية وتقرير المصير، حين يتغير موقعها من طرف يطالب بالإقليم إلى طرف يتمسك بالسيادة عليه.
المضيق: جغرافيا تصنع السياسة
لم يكن مضيق جبل طارق يومًا مجرد فاصل طبيعي بين إفريقيا وأوروبا. فهو الممر البحري الواصل بين المحيط الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط، وأحد المواقع التي ارتبطت فيها حركة التجارة بحسابات الدفاع والنفوذ.
ضمن هذه الجغرافيا، تمثل سبتة لإسبانيا حضورًا مباشرًا على الساحل الإفريقي، بينما يوفر جبل طارق لبريطانيا موقعًا استراتيجيًا عند المدخل الغربي للمتوسط. ولذلك، لا يمكن اختزال الخلاف حولهما في مساحة الأرض أو عدد السكان؛ فالقيمة السياسية والأمنية للموقعين تتجاوز حجمهما الجغرافي.
ومع تطور الملاحة والتجارة وأشكال التعاون الأمني، تغيرت وظائف هذين الموقعين، من دون أن تتراجع حساسيتهما السيادية.
سبتة: تاريخ متنازع على دلالاته
خضعت سبتة للسيطرة البرتغالية سنة 1415، ثم انتقلت إلى السيادة الإسبانية عبر التحولات السياسية التي عرفتها شبه الجزيرة الإيبيرية والعلاقات بين التاجين البرتغالي والإسباني.
غير أن سرد الوقائع التاريخية لا ينهي الخلاف حول دلالاتها القانونية والسياسية. فالمغرب ينظر إلى استمرار الوجود الإسباني في المدينة باعتباره مسألة تتصل باستكمال وحدته الترابية، بينما تعتبر إسبانيا سبتة جزءًا من أراضيها، وترفض طرح سيادتها عليها للتفاوض. وتتمتع المدينة منذ سنة 1995 بنظام أساسي للحكم الذاتي ضمن الدولة الإسبانية.
ولا تندرج سبتة ضمن قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي. وهذه حقيقة مؤسسية مهمة عند مقارنتها بجبل طارق، لكنها لا تعني، بمفردها، انتهاء الخلاف السياسي بشأنها أو صدور حكم دولي يحسم المطالب المتعارضة.
إلى جانب السيادة، أصبحت المدينة مرتبطة بملفات الهجرة والأمن والتجارة وحركة العبور. وبذلك، يتداخل الخلاف التاريخي مع الإدارة اليومية لحدود شديدة الحساسية في العلاقات المغربية الإسبانية والأوروبية.
جبل طارق: معاهدة قديمة ومسار أممي مختلف
استند انتقال السيادة على جبل طارق إلى التاج البريطاني إلى معاهدة أوترخت سنة 1713. ومنذ ذلك الحين، ظل الإقليم موضع خلاف بين إسبانيا والمملكة المتحدة، مع استمرار تباين مواقفهما بشأن السيادة وبعض المسائل المرتبطة بنطاقها.
تتمسك مدريد بمطالبتها بالإقليم، بينما تؤكد لندن أن أي تغيير في السيادة ينبغي أن يحظى بموافقة سكانه. وهنا تبرز إرادة السكان عنصرًا محوريًا في الموقف البريطاني وفي الحياة السياسية لجبل طارق، في مقابل تركيز الموقف الإسباني على السلامة الإقليمية وإنهاء الاستعمار وفق تصوره للتسوية.
ويتميز جبل طارق بإدراجه، منذ سنة 1946، ضمن قائمة الأمم المتحدة للأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي. لذلك، فإن قضيته ليست مجرد خلاف ثنائي، بل لها أيضًا مسار داخل مؤسسات الأمم المتحدة المعنية بإنهاء الاستعمار.
مع ذلك، لا يلغي هذا التصنيف الخلاف حول كيفية التسوية، ولا يجعل العلاقة بين إرادة السكان ومبدأ السلامة الإقليمية مسألة محسومة بين الأطراف.
مفارقة سياسية لا تطابق قانوني
تتيح المقارنة طرح سؤال مشروع حول اتساق الخطاب الإسباني: كيف تجمع مدريد بين رفض التفاوض بشأن سيادتها على سبتة والمطالبة بتغيير الوضع السيادي في جبل طارق؟
لكن الإجابة الجادة تقتضي تجاوز الاكتفاء بوصف الموقف بأنه تناقض. فإسبانيا تستند إلى تمييز تاريخي وقانوني بين الحالتين، بينما ينازع المغرب في الأسس التي تبرر بها استمرار سيادتها على سبتة. وفي جبل طارق، تقدم بريطانيا وسكان الإقليم حججًا لا تتطابق مع القراءة الإسبانية.
المفارقة السياسية، إذن، تصلح مدخلًا للنقد والمساءلة، لكنها ليست وحدها حجة قانونية حاسمة. فلا القرب الجغرافي يكفي بمفرده لإثبات السيادة، ولا طول مدة السيطرة ينهي تلقائيًا جميع المطالب المنازعة لها.
وتحتاج أي مقارنة دقيقة إلى النظر في المعاهدات، وتاريخ ممارسة السلطة، والمواقف الدولية، وإرادة السكان، والإطار القانوني الخاص بكل قضية، من دون انتقاء عنصر واحد وتحويله إلى تفسير شامل.
القانون والمصالح وإدارة الخلاف
تكشف القضيتان أن القانون الدولي لا يعمل بمعزل عن السياسة، لكن ذلك لا يعني اختزاله في موازين القوة. فالمعاهدات والقواعد والمؤسسات الدولية تؤطر المطالب وتؤثر في شرعيتها، بينما تحدد المصالح الاستراتيجية والحسابات الداخلية مساحة التحرك والتفاوض.
بالنسبة للمغرب وإسبانيا، يندرج ملف سبتة ضمن علاقة أوسع تشمل التجارة والاستثمار والأمن والهجرة والروابط الإنسانية. وهذا التشابك يجعل إدارة الخلاف مختلفة عن حسمه؛ إذ يمكن للدول أن تتمسك بمواقفها السيادية، وأن تتعاون في الوقت نفسه في ملفات تفرضها الجغرافيا والمصالح المشتركة.
وبالمثل، لا تختزل العلاقات الإسبانية البريطانية في النزاع حول جبل طارق. فترتيبات العبور والتعاون الاقتصادي والأمني قد تصبح موضوعًا للتفاوض العملي، من دون أن تعني بالضرورة تسوية الخلاف على السيادة.
هنا يظهر فرق أساسي بين الحل النهائي للنزاع وتنظيم التعايش معه: الأول يتعلق بتسوية المطالب السيادية، والثاني بإدارة آثار الخلاف على السكان والعلاقات بين الدول.
خاتمة:
حدود تصنعها الجغرافيا والتاريخ ليست سبتة وجبل طارق صورتين متطابقتين لنزاع واحد، بل قضيتين تكشفان، من موقعين متقابلين، تعقيدات السيادة وتعدد مرجعياتها.
وتبقى قيمة المقارنة في قدرتها على مساءلة الحجج، لا في افتراض نتائجها سلفًا: ما وزن التاريخ والمعاهدات؟ وكيف تُراعى إرادة السكان؟ ومتى يكون الاحتجاج بالسلامة الإقليمية أو بإنهاء الاستعمار ملائمًا للإطار القانوني للقضية؟
قد تظل التسوية النهائية بعيدة، لكن إدارة الخلاف ليست تفصيلًا ثانويًا؛ فهي ما يحدد أثره في حياة الناس، وفي استقرار المنطقة، وفي فرص التعاون بين ضفتيها.
وهكذا، فإن المضيق الذي يفصل بين قارتين ويصل بين بحرين يذكّر بأن الحدود ليست مجرد خطوط على الخريطة، بل حصيلة تفاعل مستمر بين التاريخ والقانون والقوة والسياسة.



