جمعيات آباء وأمهات وأولياء التلاميذ/ات: واقع، أدوار وتحديات

العملية التربوية بين الأسرة والمدرسة:
إن العملية التربوية ليست حكرا على المدرسة وحدها، سواء من حيث المسؤولية أو من حيث التدخل والمشاركة والمساهمة، بل إن المؤسسة الأولى المعنية بهذه العملية هي الأسرة باعتبارها الإطار المرجعي الأول للطفل، وتأتي المدرسة في المرتبة الثانية باعتبارها الإطار المستقبل للطفل. لكن هذا الاستقبال للطفل في مؤسسة أخرى لا يعفي الأسرة من أدوارها.
إن دور الأسرة خلال هذه المرحلة الانتقالية للطفل-التلميذ وخلال مختلف المراحل الدراسية دور مهم جدا وحاسم في التوازن والنجاح المدرسيين. من هذا المنطلق، منطلق أهمية الأسر في تحقيق النجاح المدرسي، انبثقت جمعية أمهات وآباء وأولياء التلميذات والتلاميذ كجسر للاتصال والتواصل بين المدرسة والبيت، وتم الرهان عليها خصوصا مع الميثاق الوطني للتربية والتكوين سنة 1999 من أجل مدرسة مفعمة بالحياة ومفتوحة على محيطها.
وفي معرض حديثه عن حقوق وواجبات الأفراد والجماعات، نص الميثاق في الفقرة السادسة عشرة على مكانة ودور الآباء والأولياء معتبرا بأن عليهم: “الوعي بأن التربية ليست وقفا على المدرسة وحدها، وبأن الأسرة هي المؤسسة التربوية الأولى التي تؤثر إلى حد بعيد في تنشئة الأطفال وإعدادهم للتمدرس الناجح، كما تؤثر في سيرورتهم الدراسية والمهنية بعد ذلك. وعليهم كذلك تجاه المؤسسة المدرسية واجب العناية والمشاركة في التدبير والتقويم وفق ما تنص عليه مقتضيات الميثاق”.
وفي الرافعة الثانية والعشرون من الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 المعنونة ب: “تعبئة مجتمعية مستدامة”، تمت المراهنة على تعبئة الأسر من أجل اشراكهم في تدبير المؤسسات، عبر تمتين دور جمعيات آباء وأمهات وأولياء التلاميذ، التي هي مدعوة لتجديد منهجيات عملها، وتقوية تعاونها مع المؤسسات، ومشاركتها الفعلية في التدبير والتتبع، وكذا توفير فضاءات للتنسيق والحوار المنتظم معها داخل المؤسسات التعليمية والتكوينية.

أدوار ومهام الجمعية:
تقوم الجمعيات التربوية والتعاونيات المرتبطة بالحياة المدرسية بدور أساسي في خلق روح التعاون والاندماج والمؤازرة بين المتعلمين بالمؤسسة عن طريق تحقيق أنشطة ومشاريع ثقافية واجتماعية بالمؤسسة، ومن بين أبرز هذه الجمعيات:
جمعية آباء وأمهات وأولياء التلاميذ/ات.
إن هذه الجمعية على الرغم من قدمها في النظام التربوي المغربي، فإنها لم تحظى بعد بالعناية والاهتمام الكافيين، وتسند في غالب الأمر إلى أناس لا علاقة لهم بالتربية والتعليم، ويتم في الكثير من الأحيان تسخيرها لأغراض ذاتية وسياسية مما يفرغ الجمعية من محتواها التربوي الذي أنشئت من أجله كما حددها دليل الحياة المدرسية 2008، والمرسوم 2/20/475في شأن تحديد قواعد اشتغال وأدوار ومهام جمعيات أمهات وآباء وأولياء التلميذات والتلاميذ في علاقتها بمؤسسات التربية والتكوين.
وفي سياق ضمان إلزامية التعليم نصت المادة 20 من القانون الإطار على تفعيل دور جمعيات المجتمع المدني المهتمة بالشأن التربوي، ولا سيما منها جمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ في توثيق وترسيخ الصلات بين فضاءات التمدرس والأسر من أجل ضمان مواظبة المتعلمين على الدراسة.
إن مهام هذه الجمعية كما هي محددة ومؤطرة بالدليل والمرسوم السابق ذكرهما أعلاه، هي مهام ذات بعد تربوي بالأساس تأخد بعين الاعتبار المصلحة الفضلى للمتعلمات والمتعلمين باعتبارهما محور العملية التعليمية التعلمية. لكن الجمعية في بعض الأحيان تنزلق عن مسارها التربوي وعن مهامها النبيلة وتتحول إلى جمعية ذات هدف ربحي (مادي) تستخلص من جيوب أمهات وآباء وأولياء التلميذات والتلاميذ واجبات الاشتراك بشكل اجباري مع العلم أن الاشتراك فيها أمر اختياري، بالإضافة إلى أن تلك الأموال المستخلصة لا تعود بالنفع على التلميذات والتلاميذ بشكل مباشر، هذا إن عادت!
جمعية آباء وأمهات وأولياء التلاميذ/ات، انحراف عن المسار التربوي:
أكد الميثاق الوطني من أجل سد الطريق أمام الانتهازين الذين يحلمون بتحقيق مصالح شخصية ضيقة من خلال الجمعية:
“على جمعيات الآباء والأولياء واجب نهج الشفافية والديمقراطية والجدية في التنظيم والانتخابات والتسيير، وواجب توسيع قاعدتها التمثيلية لتكون بحق محاورا وشريكا ذا مصداقية ومردودية في تدبير المؤسسات التربوية وتقويمها والعناية بها”.
وعلى الرغم من هذه الأهمية التي خص بها الميثاق الوطني الجمعية، إلا أنها ظلت محرومة من وظيفتها التمثيلية والمساهمة في تدبير المؤسسات إلى غاية إرساء مجالس التدبير داخل المؤسسات، هذه المجالس التي لا يتم تفعليها أو يتم تفعيلها بشكل صوري في بعض المؤسسات ما يجعل دور الجمعية جد محدود في المساهمة في تدبير المؤسسات وتقديم تصوراتها ومقترحاتها للنهوض بالعملية التربوية وتمثيل الاسر.
إن الغرض الأساسي من هذه الجمعية هو غرض تربوي، لكنها في الكثير من الأحيان تتحول إلى جمعية نفعية ذات أهداف ربحية (مادية)، أو إلى أداة تابعة لإدارة المؤسسة يتم من خلالها الضغط على بعض الفاعلين التربويين، أو تتحول في أحيان أخرى إلى جمعية ذات طابع أيديولوجي (نقابي-حزبي-سياسي)، يتم تصريف فيها مجموعة من المواقف والنزعات وبث السموم في المناخ المدرسي ليكون المتعلم(ة) ضحية لها عوض أن يستفيد من خدماتها التربوية.
إن هذه المنزلقات الخطيرة التي يمكن أن تنزلق لها الجمعية تتنافى أخلاقيا وقانونيا مع مضمون المادة 11 من المرسوم السابق، الذي نص بصريح العبارة:
“لا يجوز تسخير جمعيات أمهات وآباء وأولياء التلميذات والتلاميذ إلا لخدمة الأهداف التربوية التي أحدثت من أجلها طبقا للنصوص التشريعية والتنظيمية المعمول بها”.
الجمعية بين التبعية والاستقلالية:
في كثير من الأحيان والتجارب شاهدة على ذلك، تتحول الجمعية إلى جهاز تابع لإدارة المؤسسة أو تابع إلى نقابة أو حزب معين، ويتم التحكم فيها وتوجيهها إلى أهداف تتنافى مع المهام التربوية، لذلك ينبغي كما جاء في دليل الحياة المدرسية 2008 “أن تتمتع هذه الجمعية بالاستقلالية المادية والمعنوية حتى لا تتحول إلى جهاز تابع للإدارة أو إلى أية جهة أخرى، مما يحد من مبادرتها وقوتها الاقتراحية. ويمنع في هذا الصدد على الإدارة التصرف في ممتلكاتها المادية أو ممارسة وصاية عليها في هذا الشأن، مع منحها التسهيلات المادية والمعنوية اللازمة لمساعدتها على أداء وظائفها تجاه المؤسسات التعليمية. كما ينبغي على الإدارة أن تحرص على أن تتعامل فقط مع الجمعيات التي تجدد هياكلها بصورة ديمقراطية وفقا لقوانينها”.

في الختام إن الرهان على مدرسة الجودة والنجاح و”الانفتاح” لا يمكن أن يتأتى إلا من خلال استحضار جميع الشركاء وعلى رأسهم جمعية أمهات وآباء وأولياء التلميذات والتلاميذ، وذلك بالنظر إلى دورها المهم في تأطير وتيسير انخراط أمهات وآباء وأولياء التلميذات والتلاميذ في الشأن التربوي، والاسهام في الارتقاء بمؤسسات التربية والتكوين وتطوير أدائها.

عبد الاله سلام – مختص اجتماعي بوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة.

مقالات ذات صلة