تصحيح الإمضاء بالدار البيضاء: قراءة قانونية في الشطط الإداري
يُفترض في تصحيح الإمضاء أن يكون إجراءً إداريًا بسيطًا، محايدًا، ومتاحًا لكل المرتفقين دون تعقيد أو تعسف. فهو لا يعدو أن يكون شهادة إدارية على هوية الموقع وأهليته للتوقيع، دون امتداد إلى فحص مضمون الالتزام أو مشروعية التصرف المدني. غير أن بعض الممارسات الإدارية الحديثة، خاصة في مجال عقود الكراء، بدأت تنحرف بهذا الإجراء عن طبيعته القانونية، محولةً إياه إلى وسيلة ضغط غير مباشرة لتحقيق أهداف جبائية.
لقد أفرزت مساطر إدارية داخل بعض الجماعات شروطًا إضافية لتصحيح الإمضاء على عقود الكراء، من قبيل اشتراط الإدلاء برسم الملكية، أو شهادة تسوية الوضعية الجبائية، أو ربط العملية بأداء رسوم السكن والخدمات الجماعية. وهي شروط، وإن بدت في ظاهرها تنظيمية، فإنها في جوهرها تمس بحقوق المرتفقين، وتطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى احترامها لمبدأ المشروعية.
من الناحية القانونية، لا يسند أي نص تشريعي أو تنظيمي للإدارة سلطة فحص الملكية أو الوضعية الجبائية عند تصحيح الإمضاء. فالكراء، وفق القواعد العامة، لا يشترط ملكية المؤجر للعقار، والإدارة غير مختصة أصلًا بالتحقق من صحة التصرفات المدنية. وعليه، فإن فرض مثل هذه الشروط يشكل تجاوزًا للاختصاص وشططًا في استعمال السلطة، كما استقر على ذلك القضاء الإداري المغربي في أكثر من مناسبة.
الأخطر من ذلك هو ربط تصحيح الإمضاء باستخلاص الرسوم الجبائية. فالجباية المحلية لها مساطرها القانونية المستقلة، وضماناتُها الخاصة، ولا يجوز اختزالها في إجراء إداري بسيط، أو تحويل المرفق العمومي إلى أداة تحصيل قسري مقنَّعة. إن هذا الربط لا يمس فقط بمبدأ الشرعية، بل يفرغ مبدأ الثقة بين الإدارة والمواطن من محتواه.
ثم إن حصر تصحيح الإمضاء في مرافق معينة، ومنع إنجازه في غيرها دون سند قانوني صريح، يضرب في العمق مبدأ حرية الولوج إلى المرفق العمومي، ويفتح الباب أمام التمييز والتعسف وسوء استعمال السلطة التقديرية.
لا أحد يجادل في حق الجماعات الترابية في حماية مواردها الجبائية ومحاربة التهرب الضريبي، غير أن هذا الهدف المشروع لا يمكن تحقيقه بوسائل غير مشروعة. فالدولة القانونية لا تُبنى بتغليب منطق النجاعة على حساب الشرعية، ولا بتوسيع صلاحيات الإدارة خارج الإطار الذي رسمه القانون.
إن تصحيح الإمضاء ليس امتيازًا تمنحه الإدارة، بل هو حق للمرتفق، والتنظيم الإداري يجب أن يظل في خدمة هذا الحق لا أداة لتقييده. وأي مسطرة تُفرغ هذا الإجراء من بساطته وتجعله مشروطًا بما لا ينص عليه القانون، تكون عرضة للطعن القضائي، وقابلة للإلغاء.
وفي الأخير، فإن تصويب هذه الممارسات يمر عبر إعادة الاعتبار لمبدأ المشروعية، واحترام حدود الاختصاص، وتفعيل الرقابة القضائية على القرارات الإدارية، حمايةً لحقوق المواطنين، وصونًا لهيبة الإدارة نفسها قبل أي شيء آخر
بقلم : د عبدالرحيم مستاوي



