بلاغ وزارة الداخلية… من اليقظة الانتخابية إلى تفعيل الردع القانوني
بقلم: عبد الرحيم مستاوي
إذا كان بلاغ وزارة الداخلية قد أعلن عن تفعيل اللجنة المركزية واللجان الجهوية والإقليمية لتتبع الانتخابات التشريعية، فإن أهم ما يستشف منه هو أن الدولة انتقلت من مرحلة التأكيد على مبادئ النزاهة والشفافية إلى مرحلة تفعيل الآليات القانونية والمؤسساتية الكفيلة بحماية المسلسل الانتخابي.
فالبلاغ لم يكتف بالإعلان عن تتبع مختلف مراحل العملية الانتخابية، بل أكد أن اللجان المختصة ستعمل على ضبط المخالفات بكيفية فورية، وتحريك مسطرة البحث أو المتابعة القضائية عند الاقتضاء. وهي صياغة تحمل دلالات قانونية واضحة، لأنها تعكس إرادة في تفعيل المنظومة الزجرية التي أقرها المشرع لحماية نزاهة الانتخابات وصون الإرادة الحرة للناخبات والناخبين.
فالتشريع الانتخابي المغربي، وفي مقدمته القانون التنظيمي المتعلق بانتخاب أعضاء مجلس النواب، يتضمن منظومة متكاملة من المقتضيات الزجرية التي تجرم كل فعل من شأنه المساس بحرية الاقتراع أو تكافؤ الفرص بين المتنافسين. ويشمل ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، شراء الأصوات، أو تقديم الأموال أو الهبات أو المنافع أو الوعود بقصد التأثير على إرادة الناخبين، أو ممارسة الإكراه أو التهديد أو استغلال النفوذ، أو استعمال الوسائل والإمكانات العمومية في الدعاية الانتخابية، أو القيام بالحملة الانتخابية خارج الآجال القانونية، أو مخالفة الضوابط المنظمة للإشهار والتواصل الانتخابي.
كما تحيط النصوص القانونية بالحماية الجنائية لمختلف مراحل العملية الانتخابية، فتجرم كل اعتداء على حرية الاختيار، وكل تدخل غير مشروع للتأثير على الناخبين أو أعضاء مكاتب التصويت، فضلاً عن الأفعال التي تمس بسرية الاقتراع أو سلامة عمليات الفرز وإعلان النتائج.
ولا تقتصر المسؤولية الجنائية على المرشح وحده، وإنما قد تمتد، وفق القواعد العامة للمساهمة والمشاركة المنصوص عليها في القانون الجنائي، إلى كل من ساهم أو شارك أو حرض أو سهل ارتكاب الجريمة الانتخابية، متى ثبتت مسؤوليته وفق الضمانات القانونية المقررة.
ومن الناحية الإجرائية، فإن إشراك النيابة العامة في اللجان الجهوية والإقليمية يمثل خطوة ذات أهمية خاصة، لأنه يعزز التنسيق المؤسساتي، ويساهم في تقليص الزمن الفاصل بين رصد المخالفة واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة، بما يسمح بالتدخل في الوقت الملائم متى توفرت المعطيات الجدية التي تستوجب البحث أو المتابعة.
كما أن إثبات الجرائم الانتخابية لم يعد يقتصر على المحاضر الرسمية، بل أصبح من الممكن الاستناد إلى مختلف وسائل الإثبات التي يجيزها القانون، بما في ذلك التسجيلات والصور والوسائط الرقمية والشهادات وغيرها، شريطة أن تكون قد جُمعت بوسائل مشروعة، وأن تخضع لتقدير القضاء وفق قواعد الإثبات وضمانات المحاكمة العادلة.
وفي هذا السياق، تزداد مسؤولية الأحزاب السياسية في تأهيل مراقبيها ومؤطريها قانونياً، ليس فقط لرصد المخالفات، وإنما أيضاً لحسن توثيقها وحفظ وسائل إثباتها، وصياغة الشكايات وفق الضوابط القانونية، بما يمكن السلطات المختصة من ترتيب الآثار القانونية عند الاقتضاء.
غير أن فعالية المنظومة الزجرية لا تقاس بصرامة النصوص وحدها، وإنما بمدى حياد ونجاعة تطبيقها. فالتجارب الديمقراطية تؤكد أن الردع الحقيقي يتحقق عندما يطبق القانون على الجميع دون استثناء أو انتقائية، وبالسرعة والفعالية اللازمتين، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويكرس مبدأ المساواة أمام القانون.
إن الرسالة الجوهرية التي يحملها هذا البلاغ هي أن حماية الإرادة الشعبية لم تعد مجرد التزام سياسي أو أخلاقي، بل أصبحت مسؤولية قانونية ومؤسساتية تستوجب اليقظة والتدخل كلما تعرضت سلامة العملية الانتخابية لأي مساس. كما أن نجاح انتخابات 23 شتنبر 2026 لن يقاس فقط بنسبة المشاركة أو بحسن سير يوم الاقتراع، وإنما أيضاً بمدى احترام القانون في جميع مراحل العملية الانتخابية، وبقدرة المؤسسات المختصة على ضمان منافسة نزيهة، وحماية الاختيار الحر للمواطنين، وترسيخ الثقة في النتائج باعتبارها التعبير الحقيقي عن الإرادة الشعبية، وجوهر الشرعية الديمقراطية



