الفن يكتب عن “عشيقته” المتعبة: حين يتحول غزل عيد الحب إلى مرثية لـ “صاحبة الجلالة”
نشر الصحافي القدير مصطفى الفن، الذي يعد مرجعا مهنيا بجرأته التي لا تهادن، تدوينة، تجمع بين بلاغة الأدب وصرامة النقد، ومحملة بالرموز عبر صفحته الشخصية، اختار لها قالب “الرسالة الغرامية” في أعقاب عيد الحب، ليوجه من خلالها انتقادات لاذعة وحزينة للواقع الذي آلت إليه مهنة الصحافة في المغرب. وبأسلوبه المعهود الذي يمزج بين الشجن والهم المهني، كشف الفن عن “خيبة أمل” عميقة تجاه مهنة تحولت من “زاد روحي” إلى “جثة” تطاردها الأزمات والكساد.
واستهل مصطفى الفن تدوينته ببوح شجي يعتذر فيه عن تأخره في الاحتفاء بالحب، مخاطبا “قدرا” يطارده ويصف نفسه بـ”قطعة صبر” من أيوب في مواجهة قسوة هذا القدر. لكن، وفي نقطة تحول مفاجئة، يكسر الفن جدار الخيال ليوضح لمتابعيه أنه لا يخاطب امرأة، بل يخاطب “مهنة الصحافة” التي وصفها بالمحبوبة “الكافرة بالعشرة”.
وانتقد الفن بشدة تدهور “صاحبة الجلالة” وتحولها من “سلطة مضادة” إلى مجرد مقاولات تعيش على الدعم الحكومي بأرقام معاملات “وهمية” في سوق يطوقه الكساد. كما لم يخل المقال من رسائل سياسية قوية، حيث توقف عند مفارقة استفادة صحف تعود ملكيتها لرئيس الحكومة عزيز أخنوش (أغنى رجل في المغرب) من الدعم العمومي المخصص للصحافة، معتبرا أن هشاشة المقاولات الكبرى أصبحت عبئا حتى على ميزانية الدولة نفسها.
نص التدوينة الكاملة كما نشرها مصطفى الفن:
فاتني أن أتحدث عن الحب في عيد الحب..
وها أنا أفعل الآن ولو بعد مرور الوقت..
وعندما أفعل الآن فلأنه بدا لي أن كل العشاق، في كل أنحاء الدنيا، احتفوا بالحب وبعيد الحب..
إلا كاتب هذه السطور فما احتفى بعيد ولا بحب ولا بمحبوبة ولا هم يحزنون أو يفرحون..
طبعا أنتِ السبب لأنك القدر الذي كلما فررت منه، سقطت في مخالبه..
فماذا أقول لك يا قدري “المكتوب” بمناسبة هذا العيد؟..
أعترف لك أني ما عدت محبا للحياة ولا أحرص الناس على أي حياة..
وما كنت كذلك من قبل كما تعرفين..
وأي معنى لحياة تحولت معك إلى موت يطارد نفسا متعبة في كل مكان؟..
حصل كل هذا في وقت ظننتك “زادا روحيا” في رحلة طريق شاق بدأناه معا ذات شتاء قارس..
لكن لم تكوني كذلك حتى أنك سلكت أكثر من طريق غير سالكة وبلا سابق إنذار..
فما أتعسني اليوم وأنا أنتظر موعد صبح أراه بعيدا بعيدا..
ومع ذلك، فأنا هو أنا..
وما كذب الفؤاد وما رأى غير طيفك الملائكي..
وسيظل الماثل أمامك يشبه “أناه” الجريحة وفاء لقسمنا السري..
ثم إني لست “امرأ سوء” وما ينبغي لي..
ولن تيأس الروح مهما طال الهجر..
ومهما طال العناد..
ومهما طال هذا الألم..
ومهما طالت القسوة على قلب ما عاد يدق إلا قليلا..
ولست في حاجة أن أذكرك أيضا بأني سأظل صابرا وربما بلا حدود..
بل أنا “قطعة صبر” من نبي الله أيوب..
وأنا جئت إلى هذه الدنيا لأشقى هنا..
وكل مناي أن أسعدك أنتِ وحدكِ..
نعم أنتِ وحدكِ أيتها “الكافرة” بالله..
و”الكافرة” بالعشرة..
و”الكافرة” بالمعروف وحتى بالحب أيضا..
طبعا لا سامحك الله من القلب..
وأنا خصمك يوم القيامة عندما تلتقي الخصوم قلبا لقلب..
أما أنتم أيها الأصدقاء الأعزاء على هذا الحائط المتواضع، فأرجوكم، ابقوا قريبين ولا تجمحوا بالخيال بعيدا..
فأنا لا أخاطب هنا محبوبة بعينها..
والواقع إني أخاطب “مهنة” بعينها..
مهنة “بهدلها” أبناؤها قبل أن يحولوا “سلطتها المضادة” إلى مجرد “جثة” بأرقام معاملات “وهمية” في “سوق” طوقها الكساد من كل جانب..
ومع ذلك، تحيا الدولة، لأنه لولا الدولة لماتت هذه المقاولات الكبرى قبل أن تموت المقاولات الصغرى..
أما السبب فهو بسيط جدا ذلك أن “هشاشة” المقاولات الكبرى هي اليوم أكبر من أن تتحملها حتى ميزانية الدولة نفسها..
ولكم أن تصوروا كيف أن صحف عزيز العلنية لأغنى رجل في المغرب، أي السيد عزيز اخنوش، هي بدورها تستفيد من الدعم الصحفي..
وأقف عند هذا الحد ولا أزيد..
..
مصطفى الفن



