أزمة الثقة السياسية في المغرب: قراءة تحليلية في ضوء تقرير أفروبارومتر وحدود منهجيته
أعاد تقرير Afrobarometer حول اتجاهات الرأي العام في المغرب إثارة النقاش حول طبيعة العلاقة بين المجتمع والأحزاب السياسية. فقد كشفت نتائجه عن مؤشرات لافتة، أبرزها تصريح 81.5% من المغاربة بعدم انتمائهم لأي حزب سياسي، وتراجع نسبة الثقة في الأحزاب إلى حدود 15%، إضافة إلى إعلان 34.1% عدم نيتهم المشاركة في الانتخابات المقبلة. وهي أرقام تعكس، في ظاهرها، أزمة ثقة عميقة بين المواطن والعمل الحزبي.
غير أن قراءة هذه المعطيات تقتضي قدراً من الحذر المنهجي، لأن استطلاعات الرأي لا تقدم حقائق مطلقة بقدر ما تعكس اتجاهاً عاماً داخل المجتمع. فالدراسة تعتمد على عينة تقارب 1200 مستجوب، وهي عينة معتمدة علمياً لكنها تبقى محدودة مقارنة بتنوع المجتمع المغربي من حيث المجال الجغرافي والبنية الاجتماعية والثقافية.
ومع ذلك، فإن دلالة الأرقام تبقى قوية، لأنها تلتقي مع ملاحظات أخرى رصدها الباحثون حول تراجع جاذبية الانتماء الحزبي في المغرب. فالأحزاب التي يفترض أن تضطلع بوظيفة الوساطة بين المجتمع والدولة لم تعد قادرة، في نظر شريحة واسعة من المواطنين، على التعبير عن مطالبهم أو الدفاع عن مصالحهم، وهو ما يفسر ارتفاع نسبة غير المنتمين حزبياً.
كما أن ضعف الثقة في الأحزاب يرتبط أيضاً بصورة نمطية ترسخت لدى جزء من الرأي العام، تربط العمل الحزبي بقضايا مثل الفساد، وضعف النجاعة السياسية، وعدم الوفاء بالوعود الانتخابية. وفي ظل هذه الصورة، يصبح الانخراط الحزبي بالنسبة لكثير من المواطنين خياراً غير مغرٍ، بل أحياناً غير ذي جدوى.
غير أن هذه المؤشرات لا يمكن فصلها عن السياق الاجتماعي والاقتصادي العام. فالتقرير نفسه يبرز أن أولويات المغاربة تتركز أساساً على قضايا القدرة الشرائية، والبطالة، وغلاء المعيشة، وأزمات التعليم والصحة والنقل. وفي مثل هذا السياق، يميل المواطن إلى تقييم الفاعلين السياسيين انطلاقاً من مدى قدرتهم على تحسين شروط الحياة اليومية، أكثر من اهتمامه بالشعارات السياسية أو البرامج الحزبية.
ومن زاوية أخرى، يشير بعض الباحثين إلى أن ضعف الانتماء الحزبي لا يعني بالضرورة غياب الاهتمام بالشأن العام. فقد شهدت السنوات الأخيرة بروز أشكال جديدة من التعبير السياسي والاجتماعي خارج الأطر الحزبية التقليدية، سواء عبر المجتمع المدني أو الفضاء الرقمي. وهو ما يعكس تحولات عميقة في أنماط المشاركة السياسية.
وعليه، فإن الأرقام التي قدمها تقرير أفروبارومتر ينبغي فهمها في إطار أوسع يتجاوز القراءة الرقمية المباشرة. فهي لا تعني فقط تراجع الثقة في الأحزاب، بل تشير أيضاً إلى تحول في علاقة المواطن بالسياسة، حيث أصبح المعيار الأساسي للحكم على الفاعلين السياسيين هو قدرتهم على تحقيق نتائج ملموسة في الواقع.
وفي المحصلة، تكشف هذه المؤشرات أن التحدي الحقيقي أمام الأحزاب في المغرب لا يتمثل فقط في الفوز بالانتخابات، بل في استعادة دورها المجتمعي كقوة تأطير وتمثيل. وهو ما يتطلب تجديداً عميقاً في الخطاب والممارسة السياسية، وتعزيز الشفافية والديمقراطية الداخلية، والأهم من ذلك الاقتراب الفعلي من قضايا المواطنين وانشغالاتهم اليومية.
فإعادة بناء الثقة بين المجتمع والسياسة ليست مسألة إجرائية أو انتخابية فقط، بل هي رهان استراتيجي على مستقبل الوساطة الديمقراطية في المغرب.
عبد الرحيم مستاوي



